الضاحية اليوم بين الحسابات الإيرانية والتهديدات الإسرائيلية، فهل يخاطر الحزب بإعادة لبنان إلى حرب واسعة قد تكون نتائجها أشد قسوة من المواجهات السابقة؟وهل يجد سكان الضاحية أنفسهم مرة أخرى رهائن قرار إيراني سيحوّل منطقتهم إلى ساحة سوداء مشابهة لقرى الحدود الجنوبية؟
لم يعد القلق الذي يخيّم على الضاحية الجنوبية لبيروت مجرد هاجس أمني عابر، بل بات يعكس مخاوف حقيقية من عودة المواجهة العسكرية إلى لبنان، في ظل تصاعد التهديدات الإسرائيلية، وتزايد المؤشرات على استعداد حزب الله لاحتمال اندلاع مواجهة إقليمية جديدة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
وبين النزوح الكثيف لنسبة كبيرة من سكان الضاحية منذ أكثر من أسبوعين، خشية تكرار مشاهد الحرب والدمار، وبين التهديدات الإسرائيلية التي تلوّح باستهداف المنطقة وتوسيع العمليات العسكرية في الجنوب، يجد أبناء الطائفة الشيعية أنفسهم أمام سؤال بالغ الخطورة: “هل يستعد حزب الله لفتح جبهة إسناد جديدة دعماً لطهران، أم أنّ تجربة المواجهات السابقة فرضت عليه إعادة النظر في كلفة الانخراط في حرب إقليمية؟
هذه الأسئلة تتردّد منذ أن رفع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس سقف تهديداته منذ فترة، متوعّداً حزب الله بضربة قاسية والاستيلاء على مزيد من الأراضي اللبنانية في حال انضمامه إلى أي هجوم إيراني على إسرائيل، كما لوّح بإخلاء الضاحية واستهداف البنية العسكرية للحزب مع تهجير أكثر من مليون شخص.
في المقابل نُشر تقرير غربي عن استعداد حزب الله لاحتمال حرب إقليمية جديدة، وحصوله على تمويل إيراني وإعادة بناء بعض قدراته العسكرية، بما فيها الطائرات المسيّرة والمخزونات التسليحية. وعلى الخط الداخلي أبلغ الحزب الرئيس نبيه برّي بأنه لن يتدخل هذه المرّة إذا اندلعت الحرب ضد إيران، كما أبلغ نائب وزير الخارجية الإيرانية نواباً من الثنائي الشيعي بأنّ طهران لا تعتزم طلب تدخله بالحرب، لأنها ترى أنها قادرة على مواجهة التصعيد بنفسها. مما يؤكد وجود ازدواجية وغياب المصداقية ضمن موقف الحزب الأصفر.
نزوح استباقي بسبب غياب الثقة بالحزب
إلى ذلك لا يمكن التعامل مع التهديدات الإسرائيلية كمجرّد تصريحات لأنها تحمل بعدين متداخلين، الأول عسكري يقوم على ردع حزب الله ومنعه من التدخل في أي مواجهة مع إيران، والثاني سياسي ونفسي يهدف إلى وضع البيئة الشعبية للحزب أمام كلفة باهظة لأي قرار بالتصعيد.
إزاء ما يجري يتواصل النزوح الاستباقي والاحترازي لسكان الضاحية، بسبب عدم ثقتهم بالحزب الذي لا ينفذ أقواله التي تتأرجح يومياً بحسب ما يتلقى من أوامر إيرانية، لذا يعيش أهالي الضاحية المهدّدة حالات الترقب والقلق والهاجس الامني وغياب الضمانات، وسط العقبات المعيشية والظروف الصعبة، في ظل الدمار والركام والمباني المهدّدة بالانهيار.
وأفيد بأنّ العديد من عائلات المنطقة غادروا إلى بشامون وخلدة وجوارها، والبعض الآخر اختار المناطق الجبلية في كسروان بعيداً عن أجواء الحرب، لتفادي وطأة النزوح تحت القصف المفاجئ.
إلى متى ستبقى الطائفة الشيعية رهينة؟
“الكيل طفح ونريد أن نعيش ما تبقى لنا من عمر بسلام وطمأنينة، وعليهم أن يفهموا أننا شعب معطاء محب للحياة، ورافض للموت المفروض علينا”، بهذه العبارات تصف مواطنة نازحة من الضاحية المعاناة في حديث لـ”هنا لبنان” وتقول: “هذا ليس موقفي فقط بل موقف فئة كبيرة من البيئة الشيعية التي كانت حاضنة لحزب الله وبالعلن، بعدما كانت تقال بطريقة خفية والسبب معروف، لكن أمام هول ما يحصل من سقوط يومي للضحايا والدمار الهائل لجنى العمر بسبب ما سُميَ بحرب الإسناد ووحدة الساحات، والتي وضعت أبناء الطائفة الشيعية ضمن إطار ضيّق بعيد عن ثقافة الحياة والعيش، ما أدى إلى تململ كبير ضمن صفوفهم، وهذا الوضع ما زال يتراكم منذ زمن الحروب المتتالية التي خاضها حزب الله في سوريا إلى جانب النظام السوري، فدفعت الطائفة الشيعية الأثمان الباهظة من البشر والحجر، وما زلنا على هذا الوضع، فإلى متى سنبقى كطائفة رهينة لدى حزب الله؟
تواقون إلى التحرّر من قبضة الحزب
وتابعت المواطنة النازحة: “وسط التهديدات الإسرائيلية التي تلاحقنا يومياً، باتت صورة غزة لا تغيب عن عيوننا الخائفة من تحويل الضاحية إلى غزة ثانية، ما يشير إلى توقيت زمني أسود بات قاب قوسين سيحمل معه المزيد من الويلات، وفي المقابل ما زلنا نسمع تكابر الحزب وإعلاء أصوات قيادييه والهجوم على كل مَن لا يوافقه الرأي من اللبنانيين، فيما الردود لم تعد تقتصر على الفريق الآخر بل من بعض أبناء الطائفة الشيعية المعارضين له، والذين عبّروا عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن توقهم إلى التحرّر من قبضة حزب الله، ورفضهم احتكاره للتمثيل الشيعي، وتوظيفه في الانخراط في حروب المنطقة باسم إيران، من دون مراعاة تداعيات ذلك على لبنان، فحتى الجمهور الذي كان مقرّباً من حزب الله ويستفيد من خدماته المالية، يعاني من الضياع بعد الخسائر التي مُني بها، لذا يبحث اليوم عن راحة البال التي يفتقدها بعدما إنقلبت اوضاعه رأساً على عقب.
مكابرة واستعلاء وشعارات فارغة
في السياق تنتشر يومياً تسجيلات صوتية لمواطنين من الطائفة الشيعية غاضبين من الحزب الأصفر بسبب تحكّمه بهم، وهم يعبّرون علناً عن امتعاضهم من تماديه ومن الخسائر البشرية والمادية التي يتكبّدونها بسبب تهورّه وأخطائه، فيما لا تزال خطابات مسؤوليه تطلق تحت عنوان المكابرة والإستعلاء والشعارات الفارغة ضمن مرحلة هي الأصعب لأنّ الآتي أعظم، وعليه أن يعي بأن لا خيار لديه سوى تسليم سلاحه مهما طال الزمن.
باختصار الضاحية اليوم بين الحسابات الإيرانية والتهديدات الإسرائيلية، فهل يخاطر حزب الله بإعادة لبنان إلى حرب واسعة قد تكون نتائجها أشد قسوة من المواجهات السابقة؟ وهل يجد سكان الضاحية أنفسهم مرة أخرى رهائن قرار إيراني سيحوّل منطقتهم إلى ساحة سوداء مشابهة لقرى الحدود الجنوبية؟!
نزوح كثيف من الضاحية خوفاً من انتحار ثالث يفرضه “الحزب”… إلى متى سيبقى متحكّماً بالطائفة الشيعية؟ .







