إنّ تقليص نفوذ “الحزب”، وسحب سلاحه، وتفعيل القرارات الدولية ولا سيما الـ 1701 تمثل أولوية ثابتة يتفق عليها الديمقراطيون والجمهوريون، كما يلتقي الطرحان الجمهوري والديمقراطي عند ضرورة تمكين الجيش اللبناني ليكون البديل الحصري من “الحزب”، ولضمان عدم استخدام الأراضي اللبنانية منطلقاً لأي تهديدات ضد إسرائيل
ثمة تحليلات متضاربة تدور حول التغيرات السياسية التي يمكن أن يتسبب بها فوز الديموقراطيين بمجلسي النواب والشيوخ، مع اقتراب ولاية الرئيس دونالد ترامب من دخول نصفها الثاني. ويتوقع البعض انقلاباً جذرياً في التوجهات، خصوصاً في ما يتعلق بالسياستين الدفاعية والخارجية في المناطق الساخنة في العالم، ولا سيما في أوكرانيا، وفي الشرق الأوسط حيث تخوض واشنطن بالشراكة مع حليفتها التاريخية إسرائيل ما يشبه الحرب العالمية المصغرة. فالحرب هنا تبدو في الظاهر مع طهران وحلفائها، لكن واشنطن تخوض من خلالها حرب نفوذ مع “المحور الشرقي” بكامله، ولا سيما مع الصين وروسيا. وطبعاً، تتعدد السيناريوهات المرسومة لمستقبل الشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ومدى استمرار الإسرائيليين في الحصول على تغطية عسكرية وسياسية واقتصادية في حروبهم المفتوحة على جبهات عدة، ومنها لبنان.
ولكن، على تعدد السيناريوهات والتحليلات، يكاد يُجمع الخبراء على أنّ الآليات الخاصة بصناعة القرار في العاصمة الأميركية تتقاطع حول دعم إسرائيل وإنهاء نفوذ “حزب الله” في لبنان. وبناء على ذلك، يتوقع أغلب المحللين ألا تشهد الفترة الباقية من ولاية ترامب أي تراجع في الالتزام الأميركي تجاه إسرائيل أو أي تهاون مع ملف “حزب الله”. وأما الاختلاف فقد يتجلى حصراً في الأسلوب والتكتيكات الدبلوماسية المعتمدة.
فالتحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل يرتكز إلى أسس جرى تشريعها بمعاهدات وصفقات، ما يضمن استمراره بمعزل عن طبيعة الأغلبية داخل الكونغرس أو هوية المقيم في البيت الأبيض. فالتزامات واشنطن بالتسليح تجاه إسرائيل تستند إلى مذكرات تفاهم طويلة الأمد، أقرها الكونغرس وتحمل صفة الدوام، وهي عابرة للأحزاب، والهدف منها الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط. وهذه الأطر تجعل صفقات السلاح والمساعدات المباشرة جزءاً من التزامات صلبة لا تتأثر بالتوازنات الحزبية داخل الكونغرس.
وفي الواقع، على رغم إظهار الديمقراطيين في خطابهم السياسي اعتراضات واضحة على الكثير من سياسات ترامب الميدانية، فإنّ كتلة وازنة من قيادات الحزب الديمقراطي بقيت تواصل التصويت، داخل مجلسي النواب والشيوخ، لمصلحة تمويل المنظومات الدفاعية المتقدمة كالقبة الحديدية في إسرائيل وشعاع الليزر، وترفض المساس بالتمويل الأساسي المخصص لأمنها الإقليمي.
وكذلك، في ما يتعلق بلبنان، يُصنف “حزب الله” في الرؤية السياسية الأميركية، وفي الأجهزة الأمنية والتشريعية في واشنطن، بوصفه تهديداً أمنياً مباشراً وشريكاً في محور إقليمي يهدد مصالح واشنطن وحلفائها على المستوى الاستراتيجي. ولذلك، إنّ تقليص نفوذ “الحزب”، وسحب سلاحه، وتفعيل القرارات الدولية ولاسيما الـ 1701 تمثل أولوية ثابتة يتفق عليها الديمقراطيون والجمهوريون. ويرتكز هذا الموقف المشترك إلى اعتبارات عدة. فقد جرى سن التشريعات الصارمة الموجهة ضد شبكات “الحزب” المالية والتنفيذية خلال إدارات متعاقبة ينتمي رؤساؤها إلى الحزبين، ووُضعت قوانين لمنع تمويل “الحزب” عبر شبكات دولية، وحظي توسيع العقوبات بموافقات إجماعية. وفي الموازاة، يلتقي الطرحان الجمهوري والديمقراطي عند ضرورة تمكين الجيش اللبناني ليكون البديل الحصري من “الحزب”، ولضمان عدم استخدام الأراضي اللبنانية منطلقاً لأي تهديدات ضد إسرائيل.
في المقابل، يكمن الاختلاف في الأسلوب بين إدارة ترامب وما قد يطرحه الخصوم الديمقراطيون، أي في التكتيكات التي ستتبعها الإدارة الأميركية وليس في الأهداف النهائية. فنهج ترامب يتركز عادة على منح القيادة الإسرائيلية مساحة حرية وحركة واسعتين، وهو يعتمد أدوات الضغط المباشر والعقوبات القصوى والترتيبات الثنائية الضاغطة. وأما المقاربة الديمقراطية فتفضل أسلوب الرقابة والدبلوماسية. وإذا نجح الديمقراطيون في فرض رقابة صارمة على الإدارة من خلال اللجان البرلمانية، فسيرتكز أسلوبهم إلى آليات تفاوضية متعددة الأطراف. وفي العادة، هم يرفقون الدعم العسكري بمساءلات حول الأوضاع الإنسانية، مع الإصرار على طرح سؤال حول “اليوم التالي”، بهدف منع الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة. وهذان الأسلوبان يختلفان في الشكل واللغة المستعملة، لكنهما يصبان في اتجاه استراتيجي واحد، هو حماية أمن إسرائيل، ومنع “حزب الله” من استعادة قدراته الهجومية، وتثبيت معادلات ميدانية جديدة في المنطقة.
وللتذكير، صُنّف “حزب الله” منظمة إرهابية في العام 1997 تحت إدارة بيل كلينتون الديمقراطية، واستمر هذا التصنيف في كل الإدارات المتعاقبة. وكذلك، إنّ القرارين الدوليين 1559 (2004) و1701 (2006) اللذين يطالبان بنزع سلاح “حزب الله”، تم تبنيهما ودعمهما بالزخم إياه، من جانب إدارات جمهورية وديمقراطية. وتم توفير التمويل لمنظومات الدفاع الإسرائيلية كالقبة الحديدية، وإقرار المساعدات العسكرية السريعة أثناء المواجهات مع “حزب الله”، سواء في 2006 أو بعد تشرين الأول 2023، بموافقات شبه إجماعية داخل الكونغرس من الحزبين. وخلال هذه الفترة، وفرت إدارة جو بايدن لإسرائيل أكبر جسر جوي وحزمة دعم عسكري في تاريخ العلاقات بين البلدين، وغطاءً دبلوماسياً وسياسياً متواصلاً في مجلس الأمن.
هذه الوقائع تثبت خطأ الرهان على اهتزاز العلاقة الأميركية- الإسرائيلية بعد الانتخابات، على رغم الخلافات المحتملة داخل الكونغرس حول مسائل الدفاع والسياسة الخارجية، تماماً كما على خطأ الرهان على تبديلات سياسية في تركيبة الحكومة الإسرائيلية. فالخلافات في واشنطن لن تصل إطلاقاً إلى حد المس بجوهر التوافق بين الحزبين حول أمن إسرائيل وإعادة رسم المعادلة الأمنية في الشرق الأوسط، وفي أساسها إنهاء نفوذ إيران وحلفائها في الإقليم، وفي مقدمهم “حزب الله”.
لا خلاف جمهوري- ديموقراطي حول إسرائيل و”الحزب” .








