رغم التطور المذهل الذي بلغته البشرية في مختلف مجالات الحياة، وما أحدثته الثورات العلمية والتكنولوجية المتعاقبة من تحولات جذرية في أساليب الإنتاج والعمل والتواصل والمعرفة، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي الذي بات يتدخل في أدق تفاصيل الحياة الصناعية والزراعية والتجارية والثقافية، لا يزال جزء من العالم، وفي مقدمته منطقتنا، يعيش حروباً وصراعات تستند في جانب أساسي من مبرراتها إلى أفكار وأيديولوجيات تستحضر عصوراً غابرة، بعضها يعود إلى ما قبل القرون الوسطى، وتستمد منها مشروعية السيطرة والغزو والاقتتال.
والمفارقة أن أساليب إدارة هذه الصراعات، وما يرافقها من سلوك لدى القوى المتحكمة بمصائر المجتمعات، لا تستقيم حتى مع أبسط قواعد إدارة حظيرة بدائية تضم ماشية غنمتها قبيلة من قبيلة أخرى في غزو حديث. فالقبيلة المنتصرة، على بدائية تنظيمها، تدرك أن غنائمها معرضة للضياع في غزو مضاد، وأن قوتها لا تقاس بما استولت عليه فحسب، بل بقدرتها على الاحتفاظ بما تملك وضمان استمرار موارد عيشها.
ولذلك، قد يعمد شيخ القبيلة إلى توزيع الماشية في أماكن متباعدة، وإبقاء جزء منها بعيداً عن مواقع الخطر، تحسباً لغزو مفاجئ قد يفقده معظم ما غنمه. وهو، وإن لم يمتلك وسائل الإنذار المبكر أو أدوات التحليل والتنبؤ التي تتيحها المعرفة المعاصرة، يدرك بفطرته وتجربته أن الخطر قائم، وأن تجاهله لا يمنع وقوعه، وأن خسارة بعض الموارد تبقى أقل كارثية من خسارتها جميعاً. والأهم أنه يدرك أن استمرار القبيلة يتقدم على الاحتفاظ بكل الغنائم.
لننتقل من هذه الصورة المتخيلة إلى واقعنا اللبناني، مع فارق زمني وحضاري يفترض أنه يبعدنا آلاف السنين عن حياة القبائل الأولى. فنحن نعيش في مجتمع يمتلك مؤسسات دستورية وقوانين مدنية وإدارات عامة وجامعات ومراكز أبحاث، وتتوفر له وسائل اتصال ومعرفة تكشف المخاطر قبل وقوعها، وتتيح الاستفادة من تجارب الشعوب والدول في مواجهة الحروب والكوارث.
ومع ذلك، يبدو أننا أقل قدرة من تلك القبيلة على استدراك الأخطار، رغم أن الغزو المحتمل، أو بالأحرى استمرار العدوان وتوسعه، لم يعد مجرد احتمال غامض. فالتحذيرات تصل من كل اتجاه، عبر التصريحات السياسية والتهديدات العسكرية والوساطات الدبلوماسية والتقارير والتحليلات، فضلاً عن الوقائع الميدانية التي لا تحتاج إلى خبراء لتفسير دلالاتها. لقد أصبحت الأخطار ماثلة أمام الجميع، يعرفها الصغير قبل الكبير، ولم تعد المعرفة بما ينتظرنا هي المشكلة، بل العجز عن تحويل هذه المعرفة إلى فعل يحمي المجتمع.
في هذه الأثناء، يتصرف شيوخ القبائل اللبنانية وكأنهم يعيشون خارج الزمن، أو كأن ما يجري لا يعني سوى الآخرين.
شيخ قبيلة يصر على اقتناص المواقع في الإدارة والمؤسسات العامة، خارج المعايير الأخلاقية أولاً، والقواعد القانونية والمؤسساتية ثانياً، وكأنه يقتطع لنفسه ولأتباعه جزءاً من غنيمة غزو حديث. لا تعنيه كفاءة من يتولى الموقع، ولا ما تستطيع المؤسسة تقديمه للمجتمع، ولا حتى مصير الدولة التي يستمد منها الموقع قيمته وسلطته. فالغنيمة هنا تتقدم على المؤسسة، والولاء يتقدم على الكفاءة، والمصلحة الخاصة تتقدم على سلامة الجماعة بأكملها.
وشيخ آخر يصر على الاحتفاظ بأدوات الحرب وقرار استخدامها، باعتبارها مصدر القوة والنفوذ والقدرة على فرض الخيارات، غير آبه بأن ميزان القوى الفعلي لا تحدده الرغبات ولا الشعارات، وأن الغنائم العسكرية نفسها قد تصبح، في لحظة اختلال حاسم، من نصيب الطرف الأقدر والأقوى. والأسوأ أن خسارة هذه الأدوات لا تحصل بمعزل عن خسارة المجتمع لمنازله وأرزاقه وأمنه ومستقبله. وهنا تتجلى مفارقة أشد قسوة من حياة القبيلة البدائية، إذ لم يعد المطلوب حماية الغنائم من الغزو، بل حماية الناس من النتائج المدمرة لخيارات يتخذها من يفترض أنهم يتولون حمايتهم.
أما بقية الشيوخ، فيقفون في حيرة من أمرهم، يراقبون المشهد ويكتفون بإعلان مواقف أو التعبير عن صفة مشيختهم، من دون امتلاك القدرة أو الإرادة على تحويل مسؤولياتهم إلى قرارات وإجراءات. وهكذا تتحول السلطة إلى مجموعة مواقع متجاورة، لكل منها صاحبها وحساباته، بينما تغيب الجهة القادرة على إدارة المصير المشترك.
ليست هذه الصورة مجرد استعارة أدبية عن القبائل. فالتاريخ الحديث يقدم تجارب كثيرة لمجتمعات دفعت أثماناً باهظة عندما تقدمت مصالح الجماعات الحاكمة على بقاء الدولة ومؤسساتها. وقد شهد لبنان نفسه، خلال الحرب الأهلية، كيف تحولت المناطق إلى كانتونات تتقاسمها القوى المسلحة، وكيف نشأت سلطات الأمر الواقع التي أدارت الموارد والمعابر والخدمات وفق مصالحها، بينما تراجعت مؤسسات الدولة وتفككت الروابط التي يفترض أن تجمع المواطنين. ولم تنته آثار تلك التجربة بانتهاء الحرب، بل استمرت بعض قواعدها في إدارة السلطة وتوزيع المواقع والموارد.
في المقابل، تقدم تجارب أخرى دليلاً على أن المجتمعات تستطيع تجاوز أكثر مراحل تاريخها دماراً عندما تنتقل من منطق الغلبة إلى بناء المؤسسات. فقد خرجت دول أوروبية من الحرب العالمية الثانية بمدن مدمرة واقتصادات منهكة وملايين الضحايا، لكنها تمكنت، بدرجات متفاوتة، من إعادة بناء مؤسساتها واقتصاداتها، ثم تطوير أشكال من التعاون جعلت الحرب بين عدد من خصوم الأمس أقل احتمالاً. ولم يتحقق ذلك بمجرد انتهاء المعارك، بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية واجتماعية أعادت الاعتبار إلى الإنسان والإنتاج والقانون والمصلحة المشتركة.
أما في لبنان، فقد بلغنا مرحلة يبدو فيها المجتمع بأكمله أسير انتظار قاتل، تتحدد ملامح نهايته من خارج إرادته. فإما أن يقع غزو أو تتوسع حرب تفرض نتائجها بالقوة، وإما أن تتمكن الدولة من استعادة قرارها وتطبيق قوانينها وإعادة انتظام الحياة العامة، بما يحول دون استمرار هذا المصير المعلق.
لقد استطاعت البشرية، بفضل تراكم المعرفة، أن تطور أنظمة تتنبأ بالكوارث الطبيعية والأوبئة والأزمات الاقتصادية، وأن تبتكر وسائل للحد من آثارها، بل وأن تعالج بعض أسبابها قبل تحولها إلى كوارث. أما نحن، فنمتلك المعرفة المسبقة بالخطر، ونعايش نتائجه منذ سنوات، ثم نواصل التصرف وكأن وقوع الكارثة قدر لا يمكن تجنبه، أو كأن مسؤولية مواجهتها تقع دائماً على عاتق الآخرين.
إن أكثر ما يثير القلق في المشهد اللبناني ليس فقط حجم الأخطار الخارجية، على جسامتها، بل استمرار السلوك الداخلي الذي يجعل المجتمع مكشوفاً أمامها، ويبدد ما تبقى لديه من عناصر الصمود. فالقبيلة البدائية كانت تدرك أن المحافظة على جزء من مواردها شرط لاستمرار وجودها، بينما يتصرف بعض من يحكمون لبنان وكأن بقاء مواقعهم ونفوذهم أهم من بقاء الموارد والمجتمع الذي يمنح تلك المواقع معناها.
وبين عالم يتقدم نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة أعقد شؤون الحياة، ولبنان لا يزال يتنازع فيه شيوخ القبائل على الغنائم وقرار الحرب ومواقع السلطة، تتكشف حقيقة مؤلمة: إن التخلف لا يقاس دائماً بمستوى ما يمتلكه المجتمع من أدوات المعرفة والتكنولوجيا، بل بكيفية إدارة شؤونه، وبمدى خضوع السلطة للقانون، وبقدرتها على حماية الإنسان الذي يفترض أنها وجدت من أجله.
ولعل أكثر ما يدين واقعنا أن شيخ القبيلة المتخيلة، رغم بدائية حياته، كان يعرف أن خسارة الغنائم أهون من فناء القبيلة، بينما لم تتحول هذه الحقيقة البسيطة بعد إلى قاعدة تحكم سلوك من يتولون مصير لبنان.
شيوخ القبائل اللبنانية في عصر الذكاء الاصطناعي… حين تصبح الغنيمة أغلى من الوطن .









