يمكن القول ان ترامب دفع ثمن “غالون بنزين” بليتراته المحدودة باسعار كوت “الحمار والفيل معا”، علما انها لم تدفع بلبناني واحد الى التفكير بالتغيير. وعليه لا ينسى ان الحرب بدأت مع الديمقراطيين وتوسعت مع الجمهوريين!
التحذير المزدوج الذي أطلقه رئيس الحكومة نواف سلام من قصر بعبدا أمس، على مستوى “جرّ لبنان الى أي مغامرة جديدة خدمة لمصالح خارجية”، أو لجهة إدانته “قيام عناصر او مجموعات لبنانية بالتدخّل في الشؤون الداخلية للأشقاء العرب”، أضاف “نكهة جديدة” في توقيتها وشكلها ومضمونها، في مرحلة تبدو فيها المنطقة على شفير تقلّبات لا تتحمّلها أكثرية اللبنانيين، بمن فيهم الذين يعتقدون بوجود “انتصارات وهمية”. وهذه بعض المؤشرات المكملة لهذه المواقف.
ليست المرّة الأولى التي يكون فيها رئيس الحكومة صريحاً في مخاطبته اللبنانيين، محذّراً من أكثر من ظاهرة متفشية في بيئات لبنانية محدودة، وخصوصاً تلك التي عبّرت عن “إنجازات” قد تحققت بما انتهت اليه انتخابات الكنيست قبل اسبوع، وتلك التي عبّرت عنها انتخابات الكونغرس الأميركي بهيئتيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ذلك أنّهما جاءا في توقيت حسّاس ودقيق. وقد تزامنت المحطتان مع تنامي نكبات مسلسل الحروب القائمة في لبنان والمنطقة، والتي تدور رحاها من غلاف إيران الخليجي إلى لبنان وغزة واليمن وسوريا والعراق. وهي في حقيقتها الموضوعية والمنطقية، لن تقدّم ولن تؤخّر في ما يجري على هذه الساحات الملتهبة، ولم تكن لتأخذ أبعادها لو جاءت في زمن آخر.
وبالمختصر المفيد، وقبل الدخول في التفاصيل والسيناريوهات التي يمكن أن تقود إليها حصيلة الاستحقاقين، واضح أن ليس هناك من فوارق بين من خسر وربح في إسرائيل، فكلاهما بالنسبة إلى القضيتين اللبنانية والفلسطينية في موقع عدائي واحد، يتسابقان على طريقة التنكيل باللبنانيين والفلسطينيين منذ 7 تشرين الأول 2023، والعبث بأرضهم وما تحتها. وكذلك بالنسبة إلى حصيلة الانتخابات الأميركية. إذ تكفي الإشارة إلى أنّ الرؤساء الأميركيين الذين سبقوا ترامب إلى البيت الابيض بعهود عدة، قد خسروا الانتخابات النصفية 20 مرّة من أصل آخر 22 دورة انتخابية. وإنّ لدى الرئيس الأميركي، في ظلّ نظام رئاسي، كثيراً من أدوات الحكم والصلاحيات، للتفلّت من المعارضة في المجلسين، وليس أقلها تلك المتصلة بحقه المزدوج في إصدار القرارات التنفيذية و”الفيتو” تجاه أي قرار لا يرضيه، عدا عن الوسائل الأخرى المتعددة الفاعلية، مضافة إلى تلك التي يمكن التفاهم بشأنها بين الحزبين.
وإلى هذه المعطيات، لفتت مراجع ديبلوماسية وسياسية مطلعة، إلى أنّ على المتعاطين بنتائج الاستحقاقين، الإفادة من التجارب السابقة التي شكّلت خير دليل على مثل هذه المعادلة في الساحتين الإسرائيلية والأميركية. فبالنسبة إلى التجربة الاولى، قال التاريخ المعاصر كلمته في ما عاناه العرب والفلسطينيون تحديداً من المواجهات السابقة مع حزبي “الليكود” و”العمل”، فكيف بالنسبة إلى الواقع الجديد الذي يعيشه الداخل من تجارب ما بعد “طوفان الأقصى” ومسلسل حروب “الإلهاء والإسناد والثأر”، وما تسبب به التقدّم الإيراني في الشأنين النووي والصاروخي، في ظل الفوارق الهائلة بين قدرات إسرائيل العسكرية والتكنولوجية والخرق، الاستخباري الذي بلغته في قلب النظام الإيراني وأذرعه. وإن طال البحث في التجربة الثانية، فليتذكر الجميع أنّ الحرب في المنطقة بدأت مع الديموقراطيين، في ظل انتقادات الجمهوريين. وتوسّعت في اتجاه ما سُمّي “الرأس المدبّر والموجّه” في طهران، مع عودة الجمهوريين مع الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض. ويُضاف إلى ذلك، انّ كل القوانين التي سُنّت في العهد الجمهوري بهذين الملفين، صيغت وأُقرّت بتعاون غير مسبوق بين مُشرّعي الحزبين.
وتأسيساً على ما تقّدم، تنصح هذه المراجع بعدم التمادي والادعاء بـ “انتصارات همايونية” قد تقود إلى “خيار انتحاري” مرّة أخرى، وإن اعتقدوا انّهم كانوا سبباً في ما جرى لترامب، فالجميع يدرك أنّه دفع ثمن “غالون بنزين” بليتراته المحدودة بأسعار كوت “الحمار والفيل معاً”، علماً انّها لم تدفع بلبناني واحد إلى التغيير، بمقدار ما غيّرت في الوان الولايات المتحدة رأساً على عقب، وقلبت بعضها من الأحمر إلى الأزرق. في وقت يُجمع الطرفان بمختلف مستوياتهما على انّ خلافاتهما محصورة بالشؤون الأميركية الداخلية، وهما متوافقان إلى حدّ أبعد من البعيد في السياسات الخارجية ودور القوة العسكرية الأميركية، لتحتفظ بموقعها الأول عالمياً.
وعليه، تستطرد المراجع عينها لتدعو اللبنانيين إلى التريث بعد التفكير ولو للحظة، بأن ليس هناك ما سيتغيّر لا في الشكل ولا في المضمون، لا في لبنان ولا في المنطقة، ما لم تنح الأكثرية الجديدة إلى عزل الرئيس، وهي عملية معقّدة تحتاج إلى تفكيك الجمهوريين لبلوغ النسبة المطلوبة لاتخاذ مثل هذا القرار. وعدا عن هذا “المستحيل”، سيكتشف العالم انّه لن يكون هناك أي فارق في التعاطي مع لبنان او إيران.
وتنتهي المراجع لتقول: قد تكون هذه هي النتيجة التي وصل اليها لقاء الرئيسين جوزف عون ونواف سلام، ليطلق الثاني تحذيره من منبر قصر بعبدا بصيغته المزدوجة. فالمساعي المبذولة للحفاظ على الرعاية الأميركية لا يختلف من حولها اثنان. ولا مجال للخروج من “مسار واشنطن”. ذلك انّ أقصى ما يمكن أن يناله لبنان من “مسار إسلام آباد” قد يكون متصلاً بوقف النار، وبرنامج انسحابات، يعيد الدولتين إلى المسار الاول، بملاقاته بالتخلّي عن سلاح “حزب الله” وتفكيك أجهزته العسكرية والأمنية، بالتزامن مع وقف التدخّلات الخارجية في اليمن وسوريا والعراق، بعدما أكّدت التقارير الرسمية تورطه في أبعد من هذه الدول. وقد نُقل عن أحد قيادييه، السيناريو الذي قاد الحزب يوماً إلى حرب البوسنة والهرسك بإشراف القيادي العسكري الراحل فؤاد شكر وعلي فياض المعروف بـ”علاء البوسنة”. وكل ذلك مطلوب بإلحاح إن كان اللبنانيون يحلمون بخطط إعادة الإنماء والإعمار في حال أُخليت الأراضي المحتلة لتعود إلى أصحابها.
تحذير سلام بوجهيه: حذار الافراط بـ “الانتصارات الوهمية”!؟ .









