ما إن بدأت تظهر نتائج الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، حتى رفعت طهران مستوى التحدّي، ومعها رفع «حزب الله» نبرة المواجهة، سواء في ملف متفجرات ضهر البيدر أو في مسألة انخراطه المحتمل في الحرب الإقليمية. فطهران وحلفاؤها يعتبرون أنّ «صبرهم الاستراتيجي» قد أثمر، ومن الضروري الاستفادة من اللحظة السانحة لإحداث انقلاب على الانقلاب.
ثمة من يعتقد أنّ الانتخابات الأميركية والإسرائيلية تشكّل فعلاً ضربة قوية لأعداء طهران. وفي الواقع، قد تؤدي الانتخابات الأميركية إلى إرجاء واشنطن مواجهتها الحاسمة مع النظام الإيراني. ولكن، في المقابل، ليس مضموناً إطلاقاً أن تؤدي الانتخابات الإسرائيلية إلى تأجيل المواجهات الحاسمة، لا في لبنان ولا في سوريا ولا في غزة، لأنّ إسرائيل تعتبر هذه الجبهات أجزاء عضوية من حدودها الأمنية. وهي تعمل على هذه الجبهات إلى إقامة مناطق حدودية عازلة. وهذه الاستراتيجية تحظى باعتراف الأميركيين وتغطيتهم، في الحزبين الجمهوري والديموقراطي.
استراتيجية المناطق العازلة
في السنوات الأخيرة، شهدت العقيدة العسكرية والأمنية الإسرائيلية تحّولاً شاملاً، انتقل بها من استراتيجية «الدفاع والردع على الحدود» التي سادت طوال عقود، إلى عقيدة «التغيير الجغرافي القسري والسيطرة الميدانية المباشرة»، عبر فرض أحزمة ومناطق عازلة على امتداد الحدود مع غزة وسوريا ولبنان. وفي ضوء هذا التحول الجيوسياسي، يبدو أنّ إنشاء المنطقة الأمنية في جنوب لبنان سيُستكمل في المرحلة المقبلة. ومن الواضح أنّ إسرائيل تبحث عن الذرائع لتوسيع المنطقة التي تحتفظ بها حالياً، بحيث تشمل الجنوب بكامله. وهذا الإصرار الإسرائيلي، المحميّ بمظلة أميركية عابرة للأحزاب، يجعل رهانات «حزب الله» على إمكانية إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل تشرين الأول 2023، مجرد قراءة خاطئة لموازين القوى الجديدة. فالمناطق العازلة، وفق رؤية إسرائيل، تتجاوز منطق الترتيبات الأمنية أو خطوط الهدنة التي ترعاها قوات دولية، وتحولت إلى استراتيجية توسع وتفتيت للجغرافيا في عمق الجبهات.
غزة ـ سوريا ـ لبنان
ففي قطاع غزة، كرّس الجيش الإسرائيلي حزاماً أمنياً باعتماد التجريف، على امتداد غلاف القطاع بعمق يمتد كيلومترات عدة، إلى جانب محاور التقطيع الاستراتيجي، كمحور نتساريم وقطاع فيلادلفيا. وبذلك، حوّل أجزاء واسعة من القطاع إلى مناطق سيطرة نارية تقطع الطريق على أي إمكانية للتهديد في المستقبل. وكذلك، في الجبهة السورية، تواصل إسرائيل تعميق حضورها العسكري في الجنوب ومحيط الجولان المحتل، مستغلة حال التفكك، لفرض حزام أمني.
وأما في الجنوب اللبناني، فتجاوزت إسرائيل اتفاقية الهدنة لتعتمد سياسة الأرض المحروقة والسيطرة النارية الشاملة جنوب نهر الليطاني. وأصبح إنشاء الحزام الأمني الخالي من البنى التحتية والسلاح حقيقة ميدانية. وتتحرك إسرائيل في هذا المدى الجغرافي والأمني مدعومة من واشنطن التي تضمن لها الغطاء السياسي والسلاح. فسواء أكان القاطن في البيت الأبيض ديموقراطياً أم جمهورياً، وسواء أكانت الغالبية في الكونغرس لهذا الحزب أو ذاك، ستلتزم واشنطن بتفوق إسرائيل العسكري النوعي، وبمنحها حرّية التصرف الميداني الكاملة لإزالة التهديدات المباشرة عن حدودها. وتدرك الإدارات الأميركية المتعاقبة، أنّ المناطق المتاخمة لإسرائيل، في لبنان وسوريا وغزة، تمثل مجال نفوذ وخصوصية أمنية إسرائيلية مطلقة. ولذا، فإنّ أي تكتيك إسرائيلي يهدف إلى إعادة رسم الخرائط الحدودية وإفراغها من السلاح، سيحظى بتغطية واشنطن ودعمها بالوسائل التكنولوجية المتطورة.
سقوط المعادلة القديمة
في ظل هذه الجغرافيا العسكرية الجديدة، تبرز خطورة محاولة «حزب الله» الاستثمار في المتغيّرات الانتخابية والسياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل، وتمسّكه بخطاب التهديد داخلياً وإقليمياً. فتكتيك «الغموض الاستراتيجي» وأسلوب إطلاق الشعارات، لم يعودا قادرين على كبح إسرائيل التي استبدلت «توازن الرعب» بمعادلة «التطهير الوقائي بالنار»، وهو ما يجعل الرهان على العودة إلى الخطوط السابقة مجرد أوهام. وفوق ذلك، إنّ اندفاع «الحزب» إلى رفع منسوب التصعيد والتهرّب من حصرية السلاح، اللذين يجعلانه في صدام مباشر مع التوجّه الرسمي للدولة اللبنانية، سيضاعفان عزلة لبنان ويقدّمان لإسرائيل ما تحتاج إليه من ذرائع لاستكمال السيطرة وتدمير ما تبقّى في الجنوب. وسيكون الخطأ الأكبر هو اعتقاد الحزب بأنّ غادي آيزنكوت سيكون أكثر تساهلاً من بنيامين نتنياهو في التعاطي مع لبنان، أو أنّ الإدارة الأميركية بعد انتخابات الكونغرس ستُمارس ضغطاً على إسرائيل لإجبارها على الانسحاب الشامل، قبل تفكيك بنية الحزب التسليحية، وفي شكل كامل.
آيزنكوت سيكمل في الجنوب نهج نتنياهو .








