من جريان المياه إلى تجدد السلطة… قراءة في الديمقراطية والمجتمع اللبناني

لم تصل المجتمعات الإنسانية إلى ما هي عليه اليوم من قيم وأنظمة وقواعد لتنظيم حياتها دفعة واحدة، ولا كانت هذه القيم مجرد نتاج لأفكار وضعها الفلاسفة والمفكرون ثم انتقلت إلى الناس. فقد تشكلت عبر تجارب طويلة، خاض خلالها الإنسان صراعات واختبر أنماطاً مختلفة من العلاقات والسلطات، وتعلم من نتائجها كيف ينظم شؤون الجماعة ويضمن استمرارها وتطورها. ولعل الديمقراطية واحدة من أبرز القيم التي أنتجتها هذه التجارب، ليس باعتبارها مجرد نظام سياسي، بل بوصفها آلية اجتماعية لتنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع وإدارة شؤونه. وهي تقوم، في أحد أوجهها الأساسية، على ثلاث ركائز مترابطة المشاركة والانتخاب والتداول. وإذا كانت المشاركة تتيح لأفراد الجماعة المساهمة في تقرير شؤونهم، والانتخاب يمنحهم وسيلة اختيار من يتولى الإدارة، فإن التداول يضمن ألا تتحول الإدارة إلى ملكية دائمة لمن يتولاها، وألا يصبح المجتمع أسيراً لمن اختارهم في مرحلة من مراحل حياته. وربما أمكن تقريب هذه الفكرة من خلال مثال بسيط مستمد من الطبيعة، هو حوض المياه ( البركة).

الحوض الذي لا تتجدد مياهه

لنتخيل حوضاً من المياه، تدخل إليه كميات قليلة من المياه الجديدة، فيما تبقى الكمية الأكبر راكدة، من دون حركة كافية تسمح بتجددها. مع مرور الوقت، تبدأ المياه بفقدان صفائها، وتتراكم فيها المواد العضوية والطحالب والكائنات الضارة، ويتحول الحوض تدريجياً إلى مستنقع، لا تقتصر أضراره على مياهه، بل تمتد إلى محيطه.

وقد تُبذل جهود لتنظيف سطح الحوض، أو إزالة الطحالب والمواد الآسنة، أو إضافة كميات جديدة من المياه، لكن المشكلة سرعان ما تعود، لأن السبب الأساسي لم يُعالج، غياب الجريان والتجدد. أما إذا جرى إنشاء نظام يسمح بدخول المياه وخروجها بصورة طبيعية ومنتظمة، فإن الحوض يصبح أكثر قدرة على المحافظة على صفائه، وتتعدد إمكانات الاستفادة منه، كما يصبح اكتشاف مصادر التلوث ومعالجتها أكثر سهولة. وليس من قبيل المصادفة أن الإنسان استفاد منذ القدم من حركة المياه لتشغيل المطاحن، قبل أن يطور استخدامها في إنتاج الطاقة الكهربائية. فالمياه الراكدة تختزن إمكانات محدودة، بينما تتحول المياه الجارية، ضمن شروط تقنية مناسبة، إلى مصدر للحركة والإنتاج. وهنا يمكن الانتقال من الحوض الطبيعي إلى ما يمكن تسميته الحوض الاجتماعي.

الدولة بوصفها حوضاً اجتماعياً

تشبه الدولة، في هذا التصور، حوضاً يضم أفراد المجتمع ومؤسساته وموارده وعلاقاته الاقتصادية والسياسية والثقافية. ولا يرتبط استمرار هذا الحوض وتطوره بمجرد وجود هذه العناصر، بل بقدرتها على التفاعل والتجدد، وبوجود آليات تحول دون احتكار إدارة شؤونها.

فالمشاركة تشبه تعدد مصادر المياه التي تغذي الحوض، والانتخاب يمثل إحدى القنوات المنظمة لحركتها، أما التداول فهو الآلية التي تمنع الركود وتتيح استمرار التجدد.

ومن هنا، لا تكمن أهمية الديمقراطية في إجراء الانتخابات وحدها، بل في تحول التداول إلى قيمة اجتماعية، تصبح معها مغادرة المسؤول لموقعه أمراً طبيعياً، لا هزيمة شخصية ولا خسارة لامتياز دائم، كما يصبح وصول شخص جديد إلى المسؤولية جزءاً من حركة المجتمع، وليس تهديداً لوجود من سبقه.

فالمجتمع الذي يتقبل تداول السلطة يكون قد تجاوز النظر إلى المسؤولية باعتبارها ملكية فردية أو عائلية أو حزبية أو طائفية، وانتقل إلى اعتبارها وظيفة مؤقتة لخدمة الجماعة. والتداول هنا لا يعني مجرد استبدال الأشخاص، بل تجدد الأفكار والخبرات وأساليب الإدارة، وفتح المجال أمام أجيال وفئات اجتماعية جديدة للمشاركة في صناعة القرار. وهو لا يضمن وحده حسن الإدارة، لكنه يوفر إحدى أهم وسائل تصحيح الأخطاء ومحاسبة المسؤولين ومنع تراكمها.

الانتخابات الأميركية: حين تتحرك مياه الحوض

لعل ما شهدته الولايات المتحدة الأميركية في انتخابات الثالث من تشرين الثاني 2026 يقدم مثالاً معاصراً على هذه الدينامية. فقد أفضت الانتخابات النصفية إلى انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الحزب الديمقراطي، بعد مكاسب انتخابية واسعة عكست اعتراض قطاعات من الناخبين على سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما في القضايا الاقتصادية والمعيشية والحرب والسياسات الحكومية. واللافت لم يكن انتقال الأكثرية السياسية وحده، بل وصول شخصيات من خلفيات اجتماعية وثقافية متنوعة إلى مواقع لم يسبق أن شغلتها فئات مماثلة. فقد انتُخبت كيشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء تتولى منصب حاكم ولاية في التاريخ الأميركي، في جورجيا. ووصل عبد السيد إلى مجلس الشيوخ عن ميشيغان ليصبح أول مسلم يشغل عضوية هذا المجلس. وانتُخبت ديب هالاند في نيومكسيكو أول امرأة من السكان الأصليين تتولى منصب حاكم ولاية أميركية، فيما أصبحت بيغي فلاناغان أول امرأة من السكان الأصليين تُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ. كما شهدت ولايات أخرى اختراقات مماثلة في تمثيل النساء والأقليات.

ولا تعني هذه النتائج أن المجتمع الأميركي تجاوز تناقضاته أو أن نظامه الديمقراطي أصبح محصناً من الأزمات. فالاستقطاب السياسي والاجتماعي لا يزال حاضراً بقوة. لكنها تكشف عن قدرة المؤسسات الانتخابية على إحداث تحولات فعلية في مراكز القرار، وعن إمكانية استخدام الناخبين أصواتهم لمراجعة خيارات سابقة وتغيير موازين السلطة.

ولم يكن الاهتمام العالمي بهذه الانتخابات نابعاً من كونها حدثاً أميركياً فحسب، بل من التأثير الواسع للولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، وما يترتب على خياراتها من نتائج تمس حياة مليارات البشر. وإذا كانت هذه الحركة تظهر في الولايات المتحدة بصورة لافتة، فإن أشكالاً مختلفة منها تتكرر في دول أوروبية وغيرها، حيث تتغير الحكومات والائتلافات والأكثريات، وتظهر قوى جديدة، فيما تستمر الدولة ومؤسساتها، وإن بدرجات متفاوتة من الاستقرار والفاعلية. والفكرة الأساسية هنا أن الدولة لا يفترض أن تتوقف عن العمل عندما يتغير المسؤولون عنها، تماماً كما لا يتوقف الحوض عن أداء وظائفه عندما تتجدد مياهه.

لبنان: انتخابات تضيف المياه ولا تجدد الحوض

إذا انتقلنا إلى لبنان، فإن المفارقة تصبح أكثر وضوحاً. فلبنان يعرف الانتخابات منذ عقود، ويملك مؤسسات دستورية وقوانين تنظم المشاركة واختيار الممثلين، كما يشهد انتقالاً للأشخاص بين بعض المواقع الرسمية. ومع ذلك، فإن هذه الحركة لم تتحول إلى تداول اجتماعي وسياسي فعلي بالمعنى الذي يسمح بتجديد بنية السلطة وأساليب إدارتها.

فكثيراً ما تتبدل أسماء النواب والوزراء والمسؤولين، بينما تستمر مراكز النفوذ نفسها، وتبقى المواقع محكومة بتوازنات طائفية وحزبية وعائلية، ويجري توارث التمثيل السياسي أو إعادة إنتاجه من خلال شبكات المصالح والولاءات. وقد ينتقل مسؤول من وزارة إلى أخرى، أو من النيابة إلى الوزارة، أو يعود إلى موقع سبق أن شغله، فيما تتكرر السياسات وأساليب الإدارة ذاتها. بل إن بعض المواقع تتحول، في الممارسة السياسية، إلى حصص ثابتة لقوى محددة، حتى عندما تتغير أسماء شاغليها. بالعودة إلى مثال الحوض، ان عملية إضافة كميات قليلة من المياه الجديدة إلى كتلة كبيرة من المياه الراكدة، من دون توفير نظام يسمح بتجددها الحقيقي.

وما يزيد خطورة هذه الحالة أن الركود لا يبقى محصوراً في إدارة الدولة، بل يمتد إلى المجتمع نفسه. فالعلاقات الزبائنية، والاعتماد على الزعيم للحصول على الحقوق والخدمات، والخوف من خسارة الحماية السياسية أو الطائفية، تتحول تدريجياً إلى سلوكيات اجتماعية تعيد إنتاج السلطة التي نشأت في ظلها. وبذلك لا يعود المسؤول وحده جزءاً من الركود، بل يصبح جزء من المجتمع مشاركاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في المحافظة عليه.

أن الأزمات الناتجة عن هذا النمط من الإدارة قد تتحول بدورها إلى وسائل لإعادة إنتاجه، حين يصبح الحصول على أبسط مقومات الحياة مرتبطاً بالجهات نفسها التي تتحكم بمصادر القرار والموارد. وهكذا يتحول الحوض اللبناني إلى بيئة تتراكم فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتمتد آثارها إلى جميع المقيمين فيه، بمن فيهم أولئك الذين يتولون إدارته.

التداول قيمة اجتماعية قبل أن يكون نصاً دستورياً

قد يكون من السهل المطالبة بتغيير المسؤولين، أو تعديل قانون انتخابي، أو تحديد مدة شغل بعض المواقع. لكن الأصعب هو تحويل التداول إلى قيمة اجتماعية مقبولة وراسخة، بحيث لا يعود بقاء الشخص في موقع المسؤولية هو القاعدة، ومغادرته الاستثناء. وربما تكريس هذه القيمة يعفي المجتمع لمرة واحده الانشغال بالتفتيش الدائم عن قوانين للانخاب.

وهذا التحول يتطلب أكثر من الانتخابات. فهو يحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقواعد شفافة للمحاسبة، وإلى ثقافة تعترف بأن المسؤولية ليست امتيازاً أبدياً، وأن المجتمع يمتلك دائماً القدرة على إنتاج من يتولى شؤونه. كما يحتاج إلى تحرير العلاقة بين المواطن والدولة من التبعية الشخصية والحزبية والطائفية، بحيث تصبح الحقوق مكفولة بالمؤسسات والقوانين، لا مرتبطة باستمرار شخص أو جماعة في السلطة. لعل أهمية التداول تكمن أيضاً في أنه يتيح للمجتمع اختبار البدائل، ومراجعة التجارب، وتصحيح الخيارات، بدلاً من الاستمرار في تحميل الأزمات نفسها للأسباب الخارجية وحدها، أو انتظار الحلول من الجهات التي عجزت عن معالجتها.

نحو مقاربة الحوض الاجتماعي

ربما تصلح هذه المقارنة بين حركة المياه وحركة المجتمع لتكون مدخلاً إلى صياغة مقاربة سوسيولوجية يمكن تسميتها «نظرية الحوض الاجتماعي»، التي يصار الى تطوير مفاهيمها لاحقا . وتنطلق مقاربتنا من فرضية أساسية مفادها أن قدرة المجتمع على الاستمرار والتطور لا ترتبط فقط بحجم موارده أو قوة مؤسساته، بل أيضاً بقدرته على تجديد العناصر التي تتولى إدارة هذه الموارد والمؤسسات، ومنع تحول المسؤولية إلى ملكية دائمة. وبهذا المعنى، يصبح التداول في المسؤولية أحد شروط الحيوية الاجتماعية، كما يشكل جريان المياه وتجددها أحد شروط المحافظة على صلاحية الحوض واستمرار وظائفه.

غير أن التجدد لا يعني تغيير الأشخاص لمجرد التغيير، ولا يكفي وحده لضمان نجاح الإدارة. فكما يحتاج الحوض إلى مصادر مياه نظيفة وقنوات سليمة ونظام يمنع التلوث، يحتاج المجتمع إلى المعرفة والكفاءة وسيادة القانون والمحاسبة والمشاركة الحرة، حتى يكون التداول منتجاً لا مجرد حركة شكلية.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن تواجهه المجتمعات العربية، وفي مقدمتها المجتمع اللبناني، ليس فقط: من ننتخب؟ بل هل نمتلك نظاماً اجتماعياً وسياسياً يسمح لمن ننتخبهم بالمغادرة، ولغيرهم بالوصول، وللمجتمع بتجديد نفسه من دون أن تهتز أسس الدولة؟

إن الحوض الذي لا تتجدد مياهه لا ينقذه تنظيف سطحه بين حين وآخر. وكذلك الدولة، لا يكفيها تغيير الوجوه إذا بقيت آليات إنتاج السلطة على حالها. فالتداول ليس مجرد نتيجة للديمقراطية، بل هو أحد الشروط التي تمنحها معناها الاجتماعي، وتجعل التغيير عملية طبيعية ومستمرة، لا حدثاً استثنائياً تنتظره المجتمعات عند كل أزمة.

وحين يصبح التداول قيمة راسخة في حياة الجماعة، لا تعود الدولة ملكاً لمن يديرونها، بل تصبح مؤسسة مستمرة تتجدد إدارتها، كما تتجدد مياه الحوض من دون أن يفقد وجوده أو وظيفته.

من جريان المياه إلى تجدد السلطة… قراءة في الديمقراطية والمجتمع اللبناني .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...