تصدّر اسم مطعم “ناديني” الأخبار على مدار أسبوع كامل، وهو المطعم الذي أغلق مرّتين بسبب تسجيل عدة حالات تسمم بلحوم قدّمها المطعم المذكور، لكن ما هو أخطر من الإجراء الظرفي بحق المطعم يبقى معلّقاً، وهو ما يرتبط بمصدر اللحوم أي مستودع “رهامكو” الكائن في الروشة والعائد لمحمد علي المصري، بحسب قرار محافظ بيروت القاضي مروان عبود. فالمستودع كان يعمل من دون ترخيص ولا يستوفي الشروط الصحية لكن إغلاقه بالشمع الأحمر منذ أيام لا ينفي تقصير الجهات الرسمية ولا يعني أن متابعة الملف تتم وفق الأصول.
فالمستودع أغلق بعد وصول حالات تسمم إلى المستشفيات لكن لم يُعلن حتى الآن منذ متى كان يعمل المستودع بشكل مخالف، وهل تم الكشف عليه يوماً قبل وقوع حالات التسمم؟ والسؤال الأكثر خطورة، من هي المطاعم والوجهات التي تسلّمت اللحوم من المستودع المذكور؟
قطعاً لا تقتصر اللحوم الفاسدة الصادرة من مستودع “رهامكو” لمطعم “ناديني”، إذاً من هي المطاعم التي سلّمها المستودع لحومه الفاسدة؟ وهل خضعت للفحوص المخبرية؟
أصل القضية
بالعودة إلى متابعة بلدية بيروت حالات تسمّم غذائي ناجمة عن تناول اللحوم من مطعم “ناديني” في بيروت، نفّذت مصلحة المسالخ بمؤازرة مخابرات الجيش وفوج حرس مدينة بيروت، كشفاً ميدانياً بتاريخ 27 تشرين الأول على مستودع “رهامكو” للحوم في الروشة المملوك من محمد علي المصري، وتبيّن أنّ المستودع يعمل من دون ترخيص ولا يستوفي الشروط الصحية، وأنّ فيه تجهيزات لتذويب اللحوم المجمّدة وتقطيعها وتجهيزها، وسط شبهات بممارسات بيع تشمل خلط اللحوم الطازجة بالمستوردة وتذويب المجمّد منها.
وتبيّن أيضاً بطبيعة الحال أن المستودع يزوّد عدداً من المطاعم، بينها المطعم الذي سُجّلت فيه حالات التسمّم، من دون تحديد عدد تلك المطاعم أو أسمائها، وهو امر يعرّض المواطنين لخطر التسمّم ما لم يتم الكشف عن وجهات اللحوم الصادرة من المستودع المخالف.
تدخلات لحماية المستودع والمطاعم
وبمحصلة الكشف جرى إغلاق المطعم وإغلاق المستودع بالشمع الأحمر بقرار من المحافظ عبود، لكن ثمة من وجّه بوصلة الإعلام إلى المطعم فقط، ووفق معلومات “المدن” هناك مَن عمل في كواليس القضية للدفع في اتجاه التخفيف من وطأة مخالفات المستودع وصاحبه، حتى أنه جرى السعي لحصر القضية في مطعم واحد فقط من دون التركيز على المستودع أو توسيع دائرة كشف الأسماء.
فالكشف على مخالفات المستودع الصحية الخطيرة والعمل من دون ترخيص، يضع القضية أمام معطى أساسي كان ينبغي أن يكون في صلب المتابعة منذ البداية، فثمة مورد للحوم تبيّن أنه يزوّد عدداً من المطاعم، ومن بينها المطعم الذي سُجّلت فيه حالات التسمّم.
وهنا لا يتعلق الأمر بتبرئة المطعم أو أي جهة قبل استكمال التحقيقات، بل بضرورة تصويب مسار المساءلة، فإذا كان المطعم قد اشترى اللحوم من هذا المورد، وإذا كانت المخالفات المكتشفة في مستودعه تثير شبهات جدية حول سلامة اللحوم وطرق حفظها وتذويبها وتجهيزها، فلماذا استمر تسليط الضوء على مطعم واحد، وكأن المسؤولية تنتهي عند المكان الذي قُدّم فيه الطعام، ولا تمتد إلى الجهة التي تولّت توريده؟
وهنا يؤكد المصدر بأنه جرت تدخلات من قبل قيّمين في البلد لمتابعة التحقيقات بعيداً عن الإعلام تجنّباً للإساءة لقطاع المطاعم لاسيما أن القضية تطال أكثر من مطعم وتحديداً في بيروت. فالمستودع لا يزوّد مطعماً واحداً، بل عدداً من المطاعم، ما يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل جرى التحقق من سلامة اللحوم التي تسلّمتها تلك المطاعم؟ وهل اتُّخذت إجراءات احترازية بحقها؟ أم أنّ القضية بقيت محصورة بالمطعم الذي ظهرت فيه الحالات، فيما ظلّت شبكة التوزيع خارج دائرة الضوء؟
وبحسب معلومات “المدن” فإن أربعة مطاعم تتسلم بشكل دوري اللحوم من المستودع المذكور، وتالياً فهي تتشابه في الحالة نفسها للمطعم المذكور، وإن لم تظهر حالات تسمم لدى زبائنها.
فلتُكشف سلسلة التوريد كاملة
إنّ إقفال المستودع ليس تفصيلاً إدارياً، بل تطور جوهري في مسار القضية، يستوجب إعادة ترتيب الأولويات الإعلامية والرقابية، فالمورد الذي يعمل بلا ترخيص ولا يستوفي الشروط الصحية، وتُثار حوله شبهات تتعلق بتجهيز اللحوم وخلطها وتذويبها، لا يجوز أن يتحوّل إلى مجرد تفصيل في خبر عن مطعم.
فالمسؤولية بالدرجة الأولى تقع على الجهات الرسمية، إذ أن مستودع بتجهيزات لتذويب اللحوم المجمدة وتقطيعها وتجهيزها، يزوّد عدداً من المطاعم، يعمل خارج الرقابة. يدفع إلى السؤال عن من يراقب مستودعات اللحوم، ولماذا لم يُكشف أمرها قبل وقوع حالات تسمّم؟ أما المسؤولية بالدرجة الثانية فتقع على المستودع وأخيراً على المطاعم.
والمطلوب اليوم لائحة معلنة بالمطاعم المزوَّدة باللحوم من المستودع المخالف ونتائج الفحوص، وبيان بتاريخ بدء عمل المستودع وسبب غياب الترخيص. فالعدالة تقتضي تحديد المسؤولية عند مصدر الخلل، لا الاكتفاء بمحاسبة استنسابية ضمن الحلقة الأخيرة في سلسلة التوريد، وإذا كان المطلوب حماية صحة المواطن، فلتُكشف سلسلة التوريد كاملة، ولتُحدّد مسؤولية كل حلقة فيها.
بعد إغلاق “ناديني”:من يحمي مستودع اللحوم وأين لائحة المطاعم؟ .










