في ظل القلق الذي يساور المنطقة ككل من احتمالات حرب جديدة بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، يدرك لبنان حدود قدرته على منع انزلاقه الى الحرب، فيما يتابع المساعي الإقليمية المحمومة لمنع حصولها.
لا ينام لبنان الرسمي على حرير المعلومات التي أفادت بأن مساعد وزير الخارجية الايراني سعيد خطيب زادة الذي زار بيروت أخيراً والتقى رئيس مجلس النواب نبيه بري ومسؤولي “حزب الله” ونوابهما، حمل تأكيدات بعدم الحاجة لانخراط الحزب في حرب جديدة محتملة قد تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
فهذه المعلومات تبلغتها المرجعيات الرسمية، ولكن هذا التأكيد يواجه عثرتين على الأقل: الأولى صدقية الموقف الإيراني من حيث احتمال أن يكون مخادعة تعتمدها طهران للتعمية على قراراتها الحقيقية، وكانت التجربة السابقة لحرب إسناد إيران البرهان الأبرز على ذلك. والثانية أن التمايز أو الاختلافات داخل إيران بالذات بين مسؤولي الحرس الثوري والمسؤولين الديبلوماسيين يضعف الثقة بأي التزام خارجي، وخصوصاً في ظل اقتناع بدا يترسخ أخيراً أكثر فأكثر بإزاء تولي الحرس الثوري قيادة شؤون الحزب أو إدارته أو آلية تحركه وسياسته.
وفي ظل القلق الذي يساور المنطقة ككل من احتمالات حرب جديدة بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران تتأثر الى حد كبير بالأوضاع الداخلية المأزومة في كل هذه الدول الثلاث، يدرك لبنان حدود قدرته على منع انزلاقه الى الحرب فيما يتابع المساعي الإقليمية المحمومة لمنع حصولها. وقد تابع كما تابع الجميع المواقف الأخيرة للمرشد الإيراني المهددة بتوسيع جغرافيا الأهداف الإيرانية متى حصلت الحرب، الأمر الذي لا يمكن استبعاده في توريط لبنان مجدداً، ولو أن إيران لا تنوي حتى الآن انخراطاً من الحزب تجنباً لإنهائه من إسرائيل في أي جولة عسكرية جديدة وتعتمد على أذرعها الأخرى في المنطقة.
غير أن القلق اللبناني لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب على رغم إلحاحه وأهميته في ظل متابعة ما يجري من مساعي لاعادة وضع اتفاق أميركي- إيراني جديد تستبق عناوينه موعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الثلثاء المقبل. ومجدداً وتحت طائل تطورات خارجية عن إرادته، قد يجد لبنان نفسه في خضم الآلية الإقليمية التي حاول تجنبها بالذهاب الى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وتثبيت التفاوض عن نفسه بنفسه. وهو أمر لا تزال تتهدده قدرة إيران على توظيف أوراق متعددة في مفاوضاتها مع إدارة أميركية بحيث تواجه مأزقاً كبيراً لا يتصل باحتمال خسارة الحزب الجمهوري الانتخابات النصفية، بل بمخرج تفاوضي يسلم لها بشروطها الأساسية ويوفر لها مكسباً يحفظ لها هيبتها على المستوى الدولي والأميركي الداخلي.
وتالياً قد يجد لبنان نفسه مجدداً في حال نجاح المساعي الإقليمية التي تحاول تجنب حرب متجددة محتملة، آلية مكررة لتفاهم إسلام آباد ما قد يستتبع ذلك، في ظل جمود المفاوضات بينه وبين إسرائيل لأشهر مقبلة قليلة ورفض أميركي للضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان، تبدلاً أو تغييراً قد يطاولا موازين قوى لم تثبت قواعدها بعد وتواجه تحديات كبيرة. وأبرز أوجهها ما تتعرض له الحكومة اللبنانية من ضغوط لإحالة كشف شاحنة متفجرات أقر “حزب الله” ملكيته لها على المجلس العدلي من جانب حزبي “القوات اللبنانية” والكتائب، في ما تراه أوساط سياسية مختلفة أزمة مضخمة تحرج الدولة، على رغم تأكيد التزام المسار القانوني الفاعل. فيما يقول البعض أن الهدف من هذا الازمة هو تثبيت قرار الحكومة في 2 آذار باعتبار الشق العسكري للحزب خارجاً عن القانون أمام مجلس العدلي تفادياً للعودة عنه.
مضى زمن لم يعد يولي فيه الداخل أهمية كبيرة لخطب الأمين العام للحزب أو مواقفه، لتقديره المتزايد إزاء تولي إيران وحرسها الثوري إدارة شؤونه منذ ما بعد اغتيال السيد حسن نصرالله. لكن المهتمين يرون استمراراً لتوظيف أوراق عدة بينها القدرة على إعادة إشعال حرب مع إسرائيل من جهة، والقدرة على إشعال حرب أهلية في الداخل في موازاة إغراء الولايات المتحدة ومعها إسرائيل بضمان أمن حدودها من خلال إعادة تأكيد نعيم قاسم على أن “حل مشكلة لبنان اليوم يكمن في انسحاب العدو الصهيوني من كل المناطق اللبنانية التي احتلها وذلك وفق اتفاق 27-11-2024 والقرار الدولي 1701، مع ضرورة انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني”، وإصراره في المقابل على عدم نزع سلاحه ورفضه الكلي لذلك. علماً أن تناقضا جوهرياً وكبيراً يتمثل في واقع أن التزام أي من اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024 الذي تفاوض فيه الرئيس نبيه بري نيابة عن الحزب ينص صراحة على أن “تعكس هذه التفاهمات الخطوات التي تلتزم بها إسرائيل ولبنان من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الرقم 1701 بالكامل، مع الاعتراف بأن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الرقم 1701 يدعو أيضاً إلى التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن السابقة له، بما في ذلك “نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان”، بحيث تكون القوات الوحيدة المسموح لها بحمل الأسلحة في لبنان هي القوات المسلحة اللبنانية (LAF)، وقوى الأمن الداخلي، والمديرية العامة للأمن العام، والمديرية العامة لأمن الدولة، والجمارك اللبنانية، والشرطة البلدية (المشار إليها باسم “القوات العسكرية والأمنية الرسمية في لبنان”). وهذا جلّ ما يطالب لبنان بتطبيقه، علماً أنه يشمل كل لبنان وليس جنوب الليطاني فحسب، فيما يسعى الحزب الى بقاء قوته مع ضمان أمن إسرائيل. وهذا بحث يطول ويتعقد.
لبنان يتخوّف من الحرب كما من التسوية! .









