هل يورّط “الحزب” لبنان في حرب جديدة؟!

“الحزب” يتحمّل مسؤوليةً سياسيةً كبيرةً عندما يرفض مناقشة تسليم السلاح، ويتمسّك بقرار عسكري مستقلّ عن الدولة، في وقتٍ لا يزال فيه لبنان يحاول التعافي من تداعيات الحروب السّابقة. ولا يبرّر الوجود الإسرائيلي هذا الواقع، كما لا تبرّر الهجمات الإسرائيلية إعفاء الحزب من مسؤوليّة خياراته ونتائجها.

 

لم يعد موقف الشيخ نعيم قاسم من سلاح حزب الله مجرّد خلاف سياسي بين مكوّن لبناني وآخر، ولا مجرّد تباين في وجهات النظر حول الاستراتيجية الدفاعية. إنّ إعلانه أنّ البحث في تسليم السلاح غير مطروح ما دام الوجود الإسرائيلي والهجمات مستمرّة، يضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍّ مباشر: هل يحقّ لتنظيمٍ مسلّحٍ أن يحدّد وحده شروط الحرب والسلم، وأن يفرض على اللبنانيّين انتظار قراراته، مهما كانت أثمانها البشرية والاقتصادية والسيادية؟

إنّ خطورة كلام قاسم لا تكمن فقط في رفضه التخلّي عن السلاح، بل في إغلاقه الباب أمام أي نقاش عملي حول كيفية استعادة الدولة سلطتها الكاملة. فهو يربط إنهاء الحالة العسكرية المستقلّة لحزبه بانسحاب إسرائيل ووقف هجماتها، من دون أن يقدّم ضمانات واضحة بشأن ما سيحدث بعد تحقّق هذه الشروط. وبهذا المنطق، يُصبح السلاح خارج أي جدول زمني، وتتحوّل كل مواجهة جديدة إلى مبرّر إضافي للاحتفاظ به، في حلقة مفرغة يدفع لبنان ثمنها.

أمام الحكومة اللبنانية ثلاثة خيارات: الاستسلام للأمر الواقع، أو الانزلاق إلى مواجهة داخلية، أو تثبيت سلطة الدولة تدريجيًا عبر المؤسّسات والقانون والضغط الدبلوماسي. والخيار الثالث، على صعوبته، هو الأكثر اتساقًا مع ضرورة حماية السلم الأهلي ومنع تكرار الكوارث.

المبدأ الذي ينبغي أن تنطلق منه الحكومة واضح: قرار الحرب والسلم يعود إلى المؤسّسات الدستورية، والقوات المسلحة الشرعية هي المرجعية الأمنية والعسكرية للدولة. ولا يمكن أن يستقيم هذا المبدأ إذا احتفظ حزب سياسي بقدرة عسكرية مستقلّة، وقرّر منفردًا متى يطلق النار، ومتى يردّ، ومتى يوسّع المواجهة.

لقد أثبتت التجارب اللبنانية أنّ امتلاك السلاح خارج مؤسّسات الدولة لا يمنح البلاد بالضرورة حصانةً من الهجمات، بل قد يجعلها ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات الإقليمية. وعندما تدخل إسرائيل في مواجهة مع حزب الله، لا تقتصر الخسائر على مقاتليه أو بنيته العسكرية؛ بل تمتدّ إلى القرى والمدن والمنازل والبنية التحتية والاقتصاد، ويجد المدنيون أنفسهم أمام النزوح والدمار والخوف من المستقبل.

ولا يعني الدفاع عن احتكار الدولة للسلاح تجاهل الوجود الإسرائيلي أو إعفاء إسرائيل من مسؤوليّاتها القانونية. فانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، ووقف الهجمات، وحماية الحدود، مطالب مشروعة ينبغي أن تعمل الحكومة على تحقيقها. لكن معالجة هذه الملفات لا يمكن أن تبقى رهينة قرار حزب الله، ولا يجوز أن تتحوّل إلى تفويض دائم له للاحتفاظ بجيش موازٍ.

لا يكفي أن تردّ الحكومة على تصريحات قاسم ببيانات تؤكّد سيادة الدولة، ثم تعود إلى إدارة الأزمة وكأنّ شيئًا لم يحدث. المطلوب وضع خطة تنفيذية واضحة، تتضمّن جدولًا زمنيًا ومراحل قابلة للتحقّق، بالتنسيق مع قيادة الجيش والقوى الأمنية، وبما ينسجم مع الدستور والقوانين والالتزامات الرسمية للبنان.

وينبغي أن تبدأ الحكومة بتأكيد التزامها تنفيذ القرارات الرسمية المتعلقة بحصرية السلاح بيد الدولة، وأن تطلب من قيادة الجيش تقديم تقارير دورية عن انتشار القوات المسلحة، وضبط الحدود، ومنع إعادة إنشاء بنى عسكرية مستقلة، ولا سيما في المناطق التي شهدت المواجهات.

كما يتعيّن على مجلس الوزراء تحديد الخطوات الممكنة والموارد اللازمة لتنفيذ مهمات الجيش، بدلًا من الاكتفاء بإعلان أهداف لا تتوافر لها آليّات عملية. فالجيش يحتاج إلى التجهيز والتمويل والتدريب والمعلومات الاستخبارية، وإلى دعم سياسي ثابت يحميه من التحوّل إلى طرف في نزاع داخلي.

ولا يجوز في المقابل تكليف المؤسّسة العسكرية بمهمّات تتجاوز قدراتها، أو دفعها إلى مواجهة غير محسوبة مع اللبنانيين. المطلوب مسار مؤسّساتي متدرّج، يفرض القانون على الجميع، ويمنع استخدام القوة خارج الشرعية، ويحافظ في الوقت عينه على وحدة الجيش والسلم الأهلي.

تكمن المشكلة في أنّ حزب الله لا يكتفي بالاحتفاظ بسلاحه، بل يرفض أيضًا الإطار الذي تحاول الدولة من خلاله معالجة الأزمة. فقد رفض قاسم الاتفاق الإطاري الذي وقّعته السلطات اللبنانية والإسرائيلية في واشنطن في حزيران، ووصفه بأنّه فاقد للشرعية، فيما يتضمّن الاتفاق ترتيبات تتصل بنزع سلاح الحزب، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وانتشار الجيش اللبناني.

هنا يظهر التناقض الجوهري: كيف يُمكن للبنان أن يُفاوض على انسحاب إسرائيل، ويُطالب المجتمع الدولي بضمان أمنه، فيما يُعلن أحد أبرز الأطراف المسلحة داخله رفضه المسار الذي تتفاوض الدولة على أساسه؟

يحقّ لحزب الله أن يطرح اعتراضاته السياسية والقانونية، وأن يناقش الحكومة في تفاصيل أي اتفاق. لكنّه لا يملك حقّ إبطال قرارات الدولة بقوة السلاح، ولا حقّ فرض استراتيجية عسكرية بديلة عن الاستراتيجية الوطنية.

والأخطر أنّ رفض التسليم المسبق بأي نقاش حول السلاح يجعل فرص التوصّل إلى تسوية أكثر صعوبة، ويُضعف قدرة الدولة على إقناع الأطراف الدولية بأنّ لبنان قادر على تنفيذ تعهداته. وهذا قد ينعكس على حجم المساعدات، وإمكانات إعادة الإعمار، والثقة بالاقتصاد اللبناني، ومستقبل الاستقرار على الحدود.

إذا كان الحزب يستعد لاحتمال الحرب، فمَن يضمن أن يبقى قرار إشعالها بيد الدولة؟ ومَن يضمن ألّا يجد لبنان نفسه مجدّدًا في مواجهة عسكرية لم يقرّرها مجلس الوزراء، ولم يوافق عليها اللبنانيون، ولم تُدرس تداعياتها على المدنيين والاقتصاد؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها الحكومة علنًا، لا بهدف استفزاز الحزب، بل لتثبيت حقيقة دستورية وسياسية: لا يحقّ لأي تنظيم أن يعرّض البلاد لخطر حرب واسعة من دون قرار وطني شرعي.

على الحكومة أن تُكثّف اتصالاتها بالولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة والدول العربية المعنية، من أجل ضمان الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الهجمات، وتعزيز انتشار الجيش، وتأمين المساعدات اللازمة لإعادة إعمار المناطق المتضررة.

يجب أن ترفض الدولة أي معادلة تضع اللبنانيين بين خيارَيْن: إمّا استمرار السلاح المستقل، وإمّا استمرار الوجود الإسرائيلي والحرب. فهذه معادلة لا تخدم لبنان، لأنها تمنح كل طرف ذريعة للاستمرار في سياساته، وتترك المواطنين رهائن للصراع.

والحلّ يكمن في مسارَيْن متوازيَيْن: ضغط جدي لإنهاء الوجود والهجمات، وخطة لبنانية قابلة للتنفيذ لحصر السلاح بيد الدولة. ولا يجوز استخدام تأخّر الانسحاب الإسرائيلي لتبرير بقاء السلاح إلى أجل غير محدّد، كما لا يجوز مُطالبة لبنان بالتخلّي عن أدواته الدبلوماسية قبل معالجة المخاطر التي تهدد أراضيه.

لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظةً في الحروب المتعاقبة، من خسائر بشرية ودمار ونزوح وتراجع اقتصادي. ولا يجوز أن يصبح احتمال تجدّد الحرب أمرًا اعتياديًا، أو أن يُطلب من المواطنين تقبّل المخاطر باعتبارها نتيجة حتمية للصراع الإقليمي.

إنّ الحكومة مطالبة بمصارحة اللبنانيين، وشرح خطتها، وتحديد مسؤوليات مؤسّساتها، وعدم السّماح بتحويل الخلاف حول السلاح إلى مواجهة بين الطوائف. فالمسألة ليست استهداف بيئة اجتماعية، بل حماية جميع اللبنانيين من قرار عسكري لا يخضع للمحاسبة الوطنية.

إنّ كلام نعيم قاسم يضع الحكومة أمام امتحان لا يمكن تجاوزه بالتصريحات وحدها. فإمّا أن تؤكد أنّ الدولة هي المرجعية الوحيدة في القرارات السيادية، وتبدأ تنفيذ خطة عملية لحصرية السلاح، وإمّا أن تستمر ازدواجية السلطة، ويبقى لبنان معرّضًا لأن يُستدرج إلى حرب جديدة كلما تبدّلت حسابات إيران أو إسرائيل.

حزب الله يتحمّل مسؤوليةً سياسيةً كبيرةً عندما يرفض مناقشة تسليم السلاح، ويتمسّك بقرار عسكري مستقلّ عن الدولة، في وقتٍ لا يزال فيه لبنان يحاول التعافي من تداعيات الحروب السّابقة. ولا يبرّر الوجود الإسرائيلي هذا الواقع، كما لا تبرّر الهجمات الإسرائيلية إعفاء الحزب من مسؤوليّة خياراته ونتائجها.

إنّ المطلوب من الحكومة ليس إعلان الحرب على حزب الله، بل إنهاء الحالة التي تسمح لأي طرف بفرض الحرب على لبنان. فالدولة القوية تستمدّ شرعيتها من قدرتها على حماية الجميع، واحتكار القرار الأمني، وفرض القانون، والتفاوض باسم البلاد كلها.

لبنان لا يحتاج إلى حربٍ جديدةٍ لإثبات وجوده، ولا إلى سلاح خارج الدولة ليحمي سيادته. إنه يحتاج إلى دولة تقرّر، وجيش يحمي، وحكومة تتحمّل مسؤوليّاتها، ومواطنين لا يُتركون رهائن لقرارات لم يشاركوا في اتخاذها.

هل يورّط “الحزب” لبنان في حرب جديدة؟! .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...