“باقيين باقيين باقيين للموت”، باقون رغم الحروب، باقون رغم النزوح، وباقون رغم المخاوف من مستقبل مجهول، هكذا تختصر القرى المسيحية الحدودية الجنوبية معركتها اليومية للحفاظ على وجودها وهويتها، في شرق أوسط تتبدل فيه خرائط النفوذ وتتسارع التحولات الجيوسياسية، وسط هواجس من تغييرات ديموغرافية قد تطاول مجتمعات تاريخية لطالما شكّلت جزءًا من تنوّع المنطقة، وفي مواجهة هذه التحديات، برزت مبادرات لدعم صمود الأهالي، بالتوازي مع تحركات سياسية ودبلوماسية تقودها أحزاب مسيحية، انطلاقًا من أن حماية الوجود المسيحي لا تقتصر على تأمين مقومات العيش، بل تشمل الحفاظ على الدور السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
“MISSION SOUTH”… من التضامن إلى تثبيت الصمود
من فندق لقاء الربوة، أطلقت جمعية “Red In Circle” مشروع “MISSION SOUTH”، خلال مؤتمر صحافي أقيم بدعم من “MTV” وقدّمه الإعلامي موريس متّى، بحضور رئيسة الجمعية نسرين حسني، وعضو تكتل “الجمهورية القوية” النائبة غادة أيوب، التي اختيرت سفيرة للنوايا الحسنة للمشروع، ورئيسه التنفيذي شادي فياض، إلى جانب شخصيات دبلوماسية ودينية وبلدية وممثلين عن منظمات دولية وجمعيات إنسانية.
1500 حقيبة مدرسية وحواسيب
وأكدت حسني أن المبادرة تجسّد التزام الجمعية بمساندة العائلات الصامدة في القرى الحدودية الجنوبية، فيما عرض فياض خطة ترتكز على ثلاثة محاور أساسية، أولها دعم التعليم عبر المساهمة في تغطية الأقساط المدرسية وتأمين 1500 حقيبة مدرسية ومثلها من الحواسيب المحمولة، لضمان استمرار الطلاب في تحصيلهم العلمي، أما المحور الثاني، فيشمل تأمين مادة المازوت للتدفئة خلال فصل الشتاء، بما يخفف الأعباء عن العائلات، فيما يركّز الثالث على التنسيق مع الجهات المختصة لدعم تأمين ممر آمن يسهّل وصول المساعدات والاحتياجات الأساسية إلى القرى الحدودية، وفق الظروف والإمكانات المتاحة.
ولم يحصر المشروع الدعم بالمؤسسات الكبرى، بل أتاح التبرعات الفردية ابتداءً من دولار واحد، إلى جانب حزم مخصصة لتغطية الأقساط المدرسية والتدفئة، في مسعى لاستقطاب مساهمات اللبنانيين المقيمين والمنتشرين ورجال الأعمال والمنظمات الدولية، وتحويل التضامن إلى دعم ملموس يعزز قدرة الأهالي على البقاء.
وفي كلمة حملت أبعادًا تتجاوز الإطار الإنساني، شددت أيوب على أن الأرض جزء من الهوية والتاريخ، وأن العائلات التي بقيت في الجنوب هي عائلات صامدة، من دون أن يحق لأحد المزايدة على الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم.
وحذّرت من تحوّل النزوح المؤقت إلى هجرة دائمة تؤدي إلى إفراغ القرى من سكانها، معتبرةً أن “السيادة هي قدرة الدولة على حماية مواطنيها وتأمين شروط بقائهم في أرضهم”.
وأكدت أن الحفاظ على الوجود المسيحي التاريخي في القرى الحدودية، إلى جانب سائر المكونات المتجذرة فيها، يشكّل قضية وطنية ترتبط بهوية لبنان وتعدديته، لا قضية طائفة بعينها، ودعت الدول الشقيقة والصديقة والمجتمع الدولي والانتشار اللبناني إلى المشاركة في دعم المشروع، حفاظًا على حق الأهالي في البقاء والعودة، مختصرة رسالته بالقول: “إنّو يبقى الإنسان بأرضه، وتبقى الأرض لأهلها”.
قيومجيان: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان
وفي تصريح لـ”نداء الوطن”، أكد رئيس جهاز العلاقات الخارجية في “القوات اللبنانية”، الوزير السابق ريشار قيومجيان، أن الحفاظ على الوجود المسيحي، ولا سيما في القرى الجنوبية، شكّل أولوية للحزب منذ بداية الأزمة، ليس على المستوى الإنساني والمعيشي فحسب، بل سياسيًا وتربويًا واجتماعيًا أيضًا.
وردًا على سؤال حول دور الانتشار اللبناني في دعم صمود الأهالي، أوضح قيومجيان أن “القوات اللبنانية تؤدي دور صلة الوصل بين اللبنانيين المنتشرين في الخارج وأهلهم في لبنان”، عبر شبكة علاقاتها واتصالاتها وحملات جمع التبرعات، بما يساهم في تأمين المحروقات والمساعدات الطبية والمعيشية ودعم المدارس والمستوصفات.
وأشاد بمبادرات المنتشرين الذين يساندون بلداتهم وعائلاتهم، مؤكدًا أن هذا التضامن يشكّل ركيزة أساسية لاستمرار الحياة في القرى الحدودية. ولفت إلى أن الجهود تتكامل مع اتصالاتها بالسفارات والفاتيكان والمنظمات الدولية، معتبرًا مؤتمر “MISSION SOUTH” نقطة انطلاق يمكن البناء عليها لتنظيم مبادرات ومؤتمرات محلية ودولية إضافية.
وشدد قيومجيان على أن “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، إذ إن تأمين الاحتياجات اليومية لا يكفي إذا فقد المسيحيون دورهم السياسي، محذرًا من تحوّلهم إلى مجرد حضور ديموغرافي من دون تأثير فعلي في القرار الوطني.
وفي معرض حديثه عن أوضاع مسيحيي الشرق، أكد أن “القوات” ترفض تكرار تجارب العراق وسوريا والأردن في لبنان، حيث يواجه المسيحيون تحديات متفاوتة على مستوى حضورهم السياسي، مشددًا على أن المطلوب ليس فقط الحفاظ على دور المسيحيين في لبنان، بل أيضًا استعادة دورهم الفاعل في تلك الدول، بعيدًا من التمثيل الشكلي في المؤسسات الدستورية.
ومن هذا المنطلق، شدد على ضرورة التطبيق الكامل للدستور واتفاق الطائف، بما يصون المناصفة والشراكة الفعلية بين المسيحيين والمسلمين في لبنان، ويحفظ حقوقهم داخل مؤسسات الدولة.
وفي موازاة المبادرة الجنوبية، استقبل كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في معراب وفدًا برلمانيًا فرنسيًا يمثل مجموعة الدراسة حول مسيحيي الشرق في الجمعية الوطنية الفرنسية، في محطة جديدة من التواصل الخارجي الذي تنتهجه بعض الأحزاب المسيحية لإبقاء قضية الوجود المسيحي حاضرة في دوائر القرار الدولي.
وأكدت مصادر “القوات اللبنانية” لـ”نداء الوطن” أن اللقاء في معراب تناول التحديات التي تواجه المسيحيين في لبنان والمنطقة، والسبل الكفيلة بتعزيز صمودهم واستمراريتهم.
وأوضحت أن جعجع شدد على أن حماية المسيحيين تبدأ بتقوية الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وتكريس سيادتها وحصرية السلاح بيدها، بما يضمن الاستقرار ويحفظ حقوق جميع اللبنانيين، إلى جانب دعم الشباب والطلاب وتعزيز فرص بقائهم في وطنهم.
وأشارت المصادر إلى أن الوفد، الذي يمثل مجموعة برلمانية حديثة التشكيل، استمع إلى رؤية جعجع وطرح أسئلة حول أوضاع مسيحيي لبنان والشرق، تمهيدًا لإعداد دراسات وتوصيات تُرفع إلى الجهات الفرنسية المعنية، من دون تقديم التزامات مالية أو برامج مساعدات محددة خلال اللقاء.
وبين الربوة ومعراب، تلاقت المبادرات الإنسانية والتحركات الدبلوماسية عند هدف واحد: منع تحوّل النزوح إلى اقتلاع دائم، والحفاظ على الوجود المسيحي شريكًا فاعلًا في الدولة والمجتمع. فالتعليم والتدفئة والممر الآمن تؤمّن أسباب الصمود، فيما تبقى السيادة والشراكة السياسية ضمانتين لاستمراره. وبين دعم الانتشار اللبناني والاهتمام الدولي، تبقى الرسالة الأهم أن القرى لا تُحمى بالمساعدات وحدها، بل ببقاء أهلها فيها، أحرارًا وآمنين، قادرين على صناعة مستقبلهم فوق أرضهم.
خطة ثلاثية للقرى المسيحية: التعليم والتدفئة والممر الآمن .







