“هذه المرة الأمور تختلف وسقف المعركة أعلى وأخطر وارتداداتها ستكون غير مسبوقة”. إنها خلاصة لقاءات جمعت سياسيين وبعضهم وجوه وزارية ونيابية إلى مرجعيات روحية، لتقييم النتائج المفترضة التي سترتبها الحرب المستعرة على لبنان والتي أطلق شرارتها قرار “حزب اللّه” المشاركة فيها تحت عنوان “إسناد إيران”.
وبحسب أوساط سيادية بارزة، فإن المخاطر المحيقة بالتوزانات الهشة وطنيًا واجتماعيًا وديموفرافيًا بالغة الجدية، ولا سيّما أن العودة إلى الوضع الطبيعي كما يبدو تحتاج وقتًا طويلًا، فضلًا عن النوايا الإسرائيلية التي تشي بأن منطقة جنوب الليطاني ستخضع لواقع جديد أشبه بنصف أرض محروقة، أقلّه حتى الانتهاء من سلاح “حزب اللّه” وتسليمه أو تسليم ما سيبقى منه كليًا للدولة اللبنانية، بحسب المنطق الإسرائيلي. وهذا يعني أن الوجود السكاني في جنوب الليطاني وصولًا إلى الحدود الجنوبية سيكون محدودًا نسبيًا ويخضع لشروط محدّدة، وإن لم يشمل مختلف مدن المنطقة وبلداتها، باعتبار أن مدينة صور على سبيل المثال تشكّل استثناءً ولو بنسبة معيّنة، فضلًا عن مجموعة بلدات مسيحية استطاعت أن تحيّد نفسها عن المواجهات الحاصلة بضمانات دولية ولا سيّما أميركية وفاتيكانية.
والهدف من ذلك هو ما تريده إسرائيل لجهة “تأمين” حدودها الشمالية ومنطقة الجليل عبر إبعاد خطر العمليات العسكرية الأرضية والقصف الصاروخي ما أمكن، باعتبار أن شمال الليطاني سيشكّل اختبارًا آخر لمدى استعداد السلطة اللبنانية وقدرتها على الإمساك به ميدانيًًا، انطلاقًا من التحجيم المفترض لـ “حزب الله” نتيجة الضربات المتتالية التي يتلقاها وانكفاء الدعم الإيراني الذي يشكّل العامل الأبرز وراء صمود “الحزب” واحتفاظه بقدرات عسكرية لا بأس بها.
وفي ضوء ما تقدّم، يتبلور أكثر فأكثر واقع ديموغرافي جديد من خلال نزوح مئات الألوف من المناطق الجنوبية المختلفة وانضمام أعداد كبيرة أيضًا من سكان الضاحية المنكوبين في بيوتهم ومصالحهم، بحيث تتوجّس الأوساط من تكريس إقامة “موقتة دائمة” حتى إشعار آخر، بل وتوسيع دائرتها في مناطق مختلفة مسيحية وسنية ودرزية، لكن الخشية الكبرى هي التي تتعلّق بالمناطق المسيحية، انطلاقًا من التحفظات المتنامية لدى شريحة واسعة من المسيحيين على تفاقم حالة النزوح بما تعنيه من محاذير أمنية ودفع لبعض المسيحيين إلى التفكير بتغيير أماكن إقامتهم أو حتى إلى الهجرة، وبخاصة مع الاقتناع بأن الحلول تحتاج وقتًا طويلًا وأن المسألة لا تقتصر على تواجد في المدارس الرسمية وبعض أماكن التجمع، بل تشمل شراء شقق وبيوت وأراضٍ كما هو واضح بناء على استقصاءات جدية، ما يوحي بأن بعض البلدات والمناطق المسيحية قد تشهد تعديلًا في تركيبتها الديموغرافية ما يمثل مدعاة قلق لدى مراجع سياسية وروحية.
ولذلك، فإن اجتماعات واتصالات تتمّ في أكثر من اتجاه لمنع الوصول إلى هذا الواقع، انطلاقًا من أن العائلة النازحة التي تضمّ اليوم أربعة أشخاص قد يتضاعف عددها خلال بضع سنوات، فضلًا عن الخشية من احتكاكات بدأت تذر بقرنها في أكثر من مكان.
ويقول مرجع روحي مسيحي، إن الكنيسة ترحّب بكل نازح ترك منزله قسرًا وظلمًا، لكنها في الوقت عينه تريد له أن يعود إلى بلدته وحيِّه. ولذلك فإن كلّ وجود لمجموعات من النازحين في بعض الأديرة أو المدارس المسيحية لا يمكن إلّا أن يكون وجودًا موقتًا بهامش معيّن. وتوضح الأوساط السيادية من جهتها، أن هناك تنسيقًا لصيقًا مع معظم البلديات في المناطق المسيحية لكي تبقى أعداد النازحين معقولة ولا تصل إلى حدّ الانفلاش الواسع الذي رافق بدايات حرب إسناد غزة. وبالتالي فإن المدارس الرسميّة تستقبل راهنًا أعدادًا محدّدة تقلّ بكثير عمّا كانته خلال حرب إسناد غزة، كما أن التدابير الوقائية باتت أكثر تشدّدًا، مع بروز نوع من التبرّم والقلق لدى العديد من أبناء المناطق المسيحية نتيجة شعورهم بالمخاطر المحتملة نتيجة ملاحقة العديد من كوادر “الحزب” ومسؤوليه وعناصره، ونتيجة حالة تململ عامة لا تقتصر على المسيحيين من تصرّفات “حزب اللّه” وخياراته العبثية التي تقود لبنان إلى المزيد من المآسي والأزمات.
وبحسب الأوساط، فإن التنبّه بلغ أقصى درجاته للحؤول دون فرض أيّ أمر واقع في أي منطقة بما يتجاوز الحالة الإنسانية والاجتماعية بعينها. ومن هنا، كان التحرّك الجديّ الذي قاده النائب غسان حاصباني حول مسألة إنشاء مركز نزوح في محلة الكرنتينا، لأن المحاولة بدأت أساسًا بالسعي لتحويل محطة شارل حلو للتسفير بين الصيفي والرميل والمرفأ كمركز إيواء ضخم، وهو ما تمّ رفضه كليًّا من الفاعليات البيروتية، لينتقل البحث إلى محلة الكرنتينا مع تجهيز هنغارات كبيرة للغاية ذاتها، لكن الاعتراض كان كبيرًا واتسعت دائرته ما حمل رئيس الحكومة نواف سلام على التفهّم والتجاوب والتوصّل بالتالي إلى مخرج يجعل من الهنغارات بمثابة أماكن لتخزين المواد الغذائية والإغاثية.
وتلفت الأوساط من جهة أخرى، إلى أن ما أثار بعض التساؤلات هو القرار الذي أصدره وزير المالية حول المشاعات وتحويلها لمصلحة الدولة على حساب الحقوق التاريخية للبلدات المعنية والأهالي، وذلك في عز التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية والتورّط اللاحق لـ “حزب اللّه” في المواجهة تحت عنوان “إسناد الجمهورية الإسلامية”، وبدا واضحًا أن ذاك القرار يستهدف بشكل خاص مشاعات البلدات المسيحية في أعالي جبل لبنان والتي تحاذي الحدود الشرقية للمتصرفية، وهو ما استدعى تحركات واسعة للتراجع عن هذا القرار والاستمرار حتى اليوم في متابعة تداعياته أو محاولات تطبيقه بالمواربة، خصوصًا أن بكركي وُضعت في الأجواء الحقيقية وأبدى سيّدها رفضًا لأيّ تصرف بالحقوق التاريخية المثبتة، مبديًا تساؤلات حول توقيت القرار في ظلّ ظروف استثنائية وخشية جدية من النزف الديموغرافي المسيحي بسبب الحروب العبثية وسياسات التيئيس والإفقار واستقواء فئة على سائر الفئات، لا سيّما من خلال الإصرار على تحدّي الدولة بقوّة السلاح.
جنوب الليطاني أرض نصف محروقة، وخشية من ترتيبات “موقتة دائمة” .









