من الخطأ اختزال الإشكالية الأساسية في جدوى التفاوض بين لبنان وإسرائيل من عدمه، لأن التفاوض، في نهاية المطاف، ليس أكثر من آلية أو وسيلة يمكن أن تفضي إلى نتائج، وقد تفشل تبعًا لموازين القوى على أرض الواقع، فيما تبقى الإشكالية الفعلية في السؤال التالي: من الجهة التي ستتكفل بتنفيذ ما قد يتم الاتفاق عليه بين لبنان وإسرائيل؟
نظريًا، يمكن لأي اتفاق لبناني – إسرائيلي أن يضع حدًا للحرب بين البلدين، عبر تعهّد لبنان بمنع استخدام أراضيه منصةً لاستهداف إسرائيل، مقابل التزام إسرائيل بعدم انتهاك السيادة اللبنانية. لكن هذه المعادلة تبقى حبرًا على ورق إذا لم تتوافر الجهة القادرة على فرضها عمليًا. وهنا تحديدًا تكمن العقدة الجوهرية من الزاوية اللبنانية لا الإسرائيلية.
ومن الضروري التذكير بأن لبنان، منذ اتفاقية الهدنة عام 1949، نأى بنفسه عن كل الحروب العربية مع إسرائيل، وأن أراضيه استُخدمت من قِبل منظمات خلافًا لإرادة الدولة، بدءًا من منظمة التحرير وصولا إلى “حزب الله”، وأن لبنان الرسمي اليوم وأكثرية الشعب اللبناني لا يريدون الحرب مع إسرائيل، لكن هذه الرغبة لا تكفي ما لم تكن الدولة قادرة، للمرة الأولى منذ ستين عامًا، على بسط سيطرتها واحتكارها للسلاح ومنع استخدام أراضيها منطلقًا لأعمال عسكرية.
المشكلة الأساسية أن الطرف الذي يتسبّب بالحرب، أي “حزب الله”، هو نفسه خارج إطار الشرعية العسكرية للدولة اللبنانية، وفق قرارات رسمية صدرت بين 5 آب و2 آذار بحظر أنشطته العسكرية والأمنية والدعوة إلى نزع سلاحه، لكن هذه القرارات بقيت حبرًا على ورق، من دون أن يُعرف ما إذا كان السبب غياب القدرة أم غياب القرار.
وبالعودة إلى الإشكالية الأساسية: من سيتكفل بنزع سلاح “حزب الله”: لبنان، إسرائيل أم إيران؟
أولا، لبنان: لا مؤشرات إلى أن الدولة اللبنانية، التي اتخذت قرارات بنزع سلاح “حزب الله” وحظر أنشطته ولم تنفذها، ستتكفل بتطبيق الاتفاق مع إسرائيل بمنع هذا “الحزب” من استخدام الأراضي اللبنانية لاستهدافها، وهذا يعني أن الدولة التي لم تُظهر، حتى اللحظة، استعدادًا فعليًا للانتقال من القرار إلى التنفيذ، تبدو وكأنها تراهن على عاملين أساسيين: إمّا تبدّل في موقف إيران يدفع “حزب الله” إلى تسليم سلاحه، أو أن تفرض المواجهة الميدانية مع الجيش الإسرائيلي هذا المسار بالقوة.
ثانيًا، إسرائيل: من الواضح أن تل أبيب لا تعوّل على لبنان كضامن لتطبيق أي اتفاق معها، ومن الضروري التذكير بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان ضدّ التفاوض، ليس لأسباب مبدئية طبعًا، بل لقناعته بأن الدولة التي لم تنفذ قراراتها بنزع سلاح “حزب الله” عاجزة عن ترجمة تعهّداتها. وقد عاد ووافق على التفاوض بعد إصرار من الرئيس دونالد ترامب، الذي أظهر أنه الوحيد القادر على التأثير على نتنياهو، سواء بالذهاب إلى التفاوض أو بوقف إطلاق النار خلافًا لرغبته بمواصلة الحرب.
وهذا يعني أن نتنياهو وافق على مضض تلبيةً لرغبة ترامب، الذي يريد تحقيق إنجاز لنفسه بسلام بين لبنان وإسرائيل، ولا يبدو أنه يكترث لكون الاتفاق سيبقى معلّق التنفيذ، مراهِنًا على التطورات مع إيران من جهة، والوقائع العسكرية من جهة أخرى، خصوصًا في ظل اختلال موازين القوى بعد حرب أكتوبر 2023 والتطورات الإقليمية اللاحقة مع سقوط نظام الأسد. لكن هذا السيناريو يطرح بدوره إشكالية خطيرة، وهي أن تنفيذ اتفاق السلام يبقى معلّقًا إلى أن تتمكن الدولة اللبنانية من تنفيذه، وفي الأثناء، تحافظ إسرائيل على وجودها وحقها في استهداف كل ما يهدّد أمنها، فتكون تل أبيب قد ضمنت أمنها، فيما لم يستعد لبنان سيادته، مع العلم أن استعادة السيادة مسؤولية لبنانية، خصوصًا بعد تدمير القسم الأكبر من ترسانة “الحزب”.
ثالثًا، إيران: لا مؤشرات جدية إلى أن طهران في وارد التخلي عن ورقة “حزب الله” العسكرية ودفعه إلى تسليم سلاحه، بل ما زالت ترى في “الحزب” عنصرًا أساسيًا ضمن منظومتها الإقليمية، وأي تفاهم محتمل بينها وبين الولايات المتحدة لن يحصل من دون أن يكون ملف “الحزب” جزءًا أساسيًا منه، كونها لن تتخلى عن مشروعها الإقليمي التوسّعي إلا نظريًا.
انطلاقًا من ذلك، يتبيّن أن جوهر الأزمة لا يكمن في التفاوض، بل في غياب الإجابة عن الجهة التي ستنفذ نتائجه. فالتفاوض لا يمكن أن يعوّض عن خلل بنيوي في بنية الدولة، ولا عن وجود سلاح خارج سلطتها. وهذا يفتح الباب أمام سؤال إضافي: هل كان قرار التفاوض في هذا التوقيت صائبًا؟ لا شك أن الذهاب إلى التفاوض يعكس جرأة سياسية، ويكسر محظورات تاريخية، ويؤدي إلى نزع شرعية عن “الحزب” الذي يتذرّع بحقه في “المقاومة”، فيحوّل توقيع السلام هذا الحزب إلى قوة خارجة عن الدولة رسميًا وشرعيًا، كما هي عليه الحال منذ العام 1991، لكن مع فارق هذه المرة بقرار لبناني رسمي.
وإذا كان الردّ اليوم على دعوة ترامب لمصافحة بين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون بأن المصافحة تأتي في نهاية مسار تفاوضي لا في بدايته، وتحصل تتويجًا له، فإن التفاوض الفعلي غالبًا ما يأتي تتويجًا لمسار ميداني واضح، لا بديلا عنه. فلبنان لم يدخل، مثلا، في مفاوضات مع إسرائيل قبل خروج منظمة التحرير من لبنان، بل حصل ذلك بعد إخراجها، كونها كانت السبب المباشر للاجتياح الإسرائيلي.
ولولا اختلال ميزان القوى على حساب محور الممانعة في لبنان والمنطقة، لما بادر الرئيس عون إلى التفاوض. لكن، منطقيًا، كان يفترض أن ينطلق هذا التفاوض بعد انتهاء المواجهة العسكرية بين إسرائيل و “حزب الله”، أي بعد أن تكون الأولى قد حسمت عسكريًا لصالحها، وبعد أن يكون الثاني قد استنجد بالدولة للدخول على الخط من أجل وقف الحرب مقابل تسليم سلاحه وحلّ تنظيمه.
اليوم، يبدو المسار معكوسًا، حيث يجري التفاوض في ظل عدم حسم ميداني، ما يفسر إرباك الدولة وتردّدها في مسألة المصافحة مع نتنياهو، والمطالبة بلائحة شروط تعكس مطالب “حزب الله”، في وقت لا تجد إسرائيل نفسها معنية بتلبيتها قبل نزع سلاح “الحزب” الذي بادر إلى استهدافها، فضلا عن أنها لا ترى موجبًا لتقديم تنازلات وهي الطرف الذي يملك أوراق القوة على الأرض.
قد يكون من الصعب العودة إلى الوراء الآن بعد أن أصبح التفاوض هو الحدث، لكن، موضوعيًا ومنطقيًا، من يسيطر على الأرض هو من يفاوض، ولا قيمة لتفاوض قبل الحسم الميداني. ولذلك، كان من الأجدى أن تقف الدولة على الحياد في المواجهة العسكرية إلى اللحظة التي يطلب فيها منها “حزب الله” التدخل، فيكون شرطها تسليم سلاحه مقابل دخولها، وإلا فهي غير معنية بحرب شُنت خلافًا لمصلحة لبنان وشعبه وتنفيذًا لقرار إيراني.
أما في ما يتعلق بإشكالية من سيتكفل بنزع سلاح “حزب الله” كي لا تبقى نتائج التفاوض بين لبنان وإسرائيل نظرية، فمن المرجّح أن يكون المسار الميداني هو الحاسم، أي أن الكلمة ستكون للميدان، لأن إسرائيل لن توقف عملياتها قبل إزالة الخطر الذي تعتبره قائمًا من لبنان، ولن تكون في وارد السماح لـ “الحزب” بأن يعيد بناء قوته بعد أن دمرتها بالكامل، وهذه هي اللحظة المناسبة لها للتخلُّص منه نهائيًا، ما يعني عمليًا فصل المسار التفاوضي الذي سيقود إلى إنهاء الحرب نظريًا، عن المسار العسكري الذي سينهي سلاح “الحزب” عمليًا، فيدخل عند ذاك الاتفاق بين تل أبيب وبيروت حيِّز التنفيذ.
المشكلة ليست في التفاوض… بل في التنفيذ .









