بعدَ أنْ كانتِ الشّاشةُ أداةَ تسلية، غَدَتْ مربّيًا صامتا يتسلل غرفَ الأطفال دون استئذان، يغزلُ في مدى نظ ارتِهم أضواءً ملوّن ةً تولد في ردّاتِ فعلِهم عَجََ لةً باردةً تنافس الضّوءَ في سرعتِه، وتسلبُهم دفءَ ال تّأ نّي المنش ود. فما هي المشكلات التي تخلفُها الشّاشة؟ وهل من حلول ناجعة تستطيع الحد من سلبيّاتها؟
أطفالنا يا سادة يجلسون ساعات وساعات أمام سيل جارف من المقاطع السريعة، أمامَ ك مّ هائ ل منَ الصّور التي تختفي بعدَ ومض ة أسرع من ومضةِ البرقِ، أمامَ مشاهد عنيفة وإباحيّة، تجعلهم يُغرّدون خارجَ سرب الحياة على صخب إيقاعا ت متسارعة مغايرة للمدرسة، لأهل الدّار، لا تشبههم ولا تلائمُ محيطهم، وتمنعهم من أن يعيشوا أعمارَهم. أنّى لعق لاعتادَ أنْ يقفزَ كل ثانيتين، أن يصبرَ على قراءة نصّ؟ فتلكِ الإثارة الفوريّة التي اعتادَ عليها حَرََمتْهُ لذّةَ انتظارِ ثمار تقطَفُ بعدَ جهد طويل.
من هنا يتحوّلُ الصّفُ إلى عب ء، فتمطُّ أرجلها الدّقائقُ ، تطول، تستحيلُ إلى عصور. وُيصبحُ اليومُ الدّراسيّ أطولَ من يومِ الجوع. ويغدو المعلمُ منافسًا ضعيفا أمام شاشة تَخطف الأضواءَ وتجذبُ الانتباهَ.
فيتراجعُ التركيزُ، ويضيقُ صدرُ الصّبر، إلى أن يغدوَ الشّرح مملا، والتدرجُ عبئًا.. فتلك الشاشة التي لم تعلمْه كيف يُروّض انفعالاتِه ويُديرها، تحوّلُ خسارةً بسيطةً إلى معركةِ كرامة ، وتجعلُ أ ي احتكاك في الملعبِ حلبةَ صارع. لأنّه لمْ يتعلم أن يتعاملَ مع المشكلة، إنّما تَعَلمَ كيفَ يضغطُ زرًا ليُغيّرَ المشهدَ. فلا تظنّوا أنّ المشكلةَ في الشّاشةِ ذاتِها، إنّها في الفارغ الذي تولده، ولا في الهواتفِ نفسِها بلْ في الفوضى التي تدارُبِها .
وماذا تقولون عن المحت وى السّريع؟ إنّه محتوى فارغ، يُدرِّبُ الدّماغَ على المكافأةِ الفوريّةِ ، ما يجعلُ الطّفلَ يفقدُ القدرةَ على الاستمتاع بالإنجازِ البطيء. وحين تقدمُ الصّورةُ جاهزةً ومُتَحرِّكةً ، يتراجعُ جهدُ التّخيلِ الدّاخلي، ضِفْ إلى أنّ العالمَ الرّقميّ يُتيحُ إعادة المحاولة مرارً وتكرارًا ، وهذا ما لا يتحقّقُ في الحقيقة على أرض الواقع.
وماذا عنِ الصّمت أمامَ الشّاشة لساعات؟ إنّه صمتُ الضّجيج الذي يُرهِق عقل الطّفل دون أن يشعرَ وتشعروا، إنّه الصّمت القاتل، صمتٌ يُؤدّي إلى ت ارجع الحوار الأسر يِّ، فيحلُّ مح ل القصص، والنّقاشِ والضّحكِ …
أَسرعوا وَحوِّلوا شاشاتِكم في البيت من مستهلِكة إلى مُنتِجة: عّلِموا أولادَكم أنْ يصنعُوا المُحتو ى. أنْ يُص وُِّروا قصّةً، أنْ يُعدُّوا تقري ارً، أنْ يُبرمجوا ألعابًا… أنْ وأنْ وأنْ إلى أنْ يُصبحُوا صانِعي ألعا ب تحتاجُ إلى تخطيط ط ويل الأمد، ينخرطُ و ن في العمل الجماعيّ، يُخطّطو ن ويصب رو ن. فأوّل وصيّة أسداها لقمان الحكيم لابنه هي الصّبر ” فكُن يا بنيّ رحبَ الصّدرِ “، فلذلك علموهم نعمة الصّبر، ودرّبوهم على تنمية عضلة الصّبر. فمن يصبرْ يُبصِرْ.
خصِّصوا لهم ساعةً يوميّة من دون شاشا ت، وساعةً مقدّسةً للق ارءة، تليها أنشطةٌ يوم ية تصاعديّة الوقت، وساعةً أخرى للحوار، ولمناقشة ما ق أروا.. حتى يُصبحَ كلُّ ذلك طقسًا عائلايا ثابتا. وسا رِعوا إلى إب ارمِ عق د بينكم وبينهم يُوقِّعُ ها الطّرفانِ : يُذكَرُ فيها وقتُ الاستخدام ونوعيّة المُحتوى، و تُح دد فيه عواقبُ واضحةٌ عندَ الإخلال.
هذا على الصّعيد المنزليّ، أمّا على الصّعيد المدرسيّ فعلموهم الذّكاء العاطفيّ: بحيث تخَ صصُ حصصٌ لإدارة الغضب، وأخرى لتقبل الخسارة وحلّ النّ ازعات، وساعات إضافيّة لمها ارت الحوار. فمتى عرف الطّفل أن يُسمّيَ مشاعرَه، فمن الصّعب أن تتحوّ لَ تلكَ المشاعرُ إلى عدوانيّة.
نحنُ لا نستطيع منافسة الشّاشة إلّا بالبديل الجذّاب: مسرح، زجل، رحلات… فالتحدّي الأوّل ليس في كسرِ الشاشة، بل في خلق التواز ن بين العالمين: الافت ارضيّ والواقعيّ . وال تّحدّي الأوّل والأخير ألّا يُصبح الطّفلُ عبدًا لما اخترعه الإنسان. والتحدّي الأكبر أن نُعيدَ للبطءِ في عصر السّرعة مكانته، وللانتظارِ قيمته، وللحوار دفئه. فمتى أضأتم بقلوبِكم روحَ طفلكم وهو ينمو بين أضواء الشّاشات يَعِشْ عالمَه ال رقميّ من دونِ أن يبتلعَهُ.
المربّي الخفيّ .








