معادلات لواقع صعب: ماذا لو ربطت إسرائيل انسحابها بالسلاح؟

بعد ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة، وثلاثة أشهر من الدمار والقتل والإجرام بلا توقف، نبّه رئيس الحكومة نواف سلام إسرائيل، بلغة دبلوماسية، إلى أن سياسة الأرض المحروقة والعقاب الجماعي وتجريف القرى والبلدات لن تكسبها أمناً ولا استقراراً. لكنه، في المقابل، لم يعلن وقف التفاوض المباشر معها، بالرغم من اعترافه بأن لبنان، وبسبب عدوانها الوحشي، يواجه أصعب محنة في تاريخه.

وبينما كان يدلي بكلمته المكتوبة والمقتضبة، التي ضمنها لغة مسؤولة تجاه الجنوبيين، كانت الغارات متواصلة، وبلغت حدود مستشفى النجدة الشعبية في النبطية، فيما كانت الصواريخ تنهال على قلعة الشقيف التي تحاول إسرائيل بلوغها بصعوبة.

في هذا الواقع، كان لحزب الله رسائله المختلفة. صواريخ بالعشرات تنهمر على شمال إسرائيل في تغيير واضح للمعادلة، بإيصال الصواريخ، كرسالة، “إلى صفد، وما بعد صفد”. ويعلن أن “بطولات المقاومين في الميدان هي الأساس”.

رسائل حزب الله الصاروخية وصلت أصداؤها إلى إسرائيل، التي فوجئت بتغيير المعادلة وإرساء قواعد حرب جديدة، واعترفت بأن الحزب استهدف للمرة الأولى مواقع مدنية إسرائيلية.

اعترف سلام ضمناً بفشل المساعي للضغط على إسرائيل من أجل وقف إطلاق النار في لبنان. ثلاث جولات من التفاوض المباشر، وواحدة أمنية، واستعداد لجولة رابعة في واشنطن، لم تنجح في إلزام إسرائيل بوقف حربها. سياسة تدمير ممنهجة تحوّل معها الجنوب إلى ركام بكل ما فيه من مبانٍ ومؤسسات تجارية وآثار وممتلكات للناس، فضلاً عن آلاف الشهداء والجرحى، فيما لم تُجدِ الوعود الأميركية بالضغط على إسرائيل نفعاً.

إنه تواطؤ علني لترك إسرائيل تدمر الجنوب وتحتل أراضيه، مع رهان جديد على ضربة إسرائيلية ـ أميركية لإيران تقود إلى وقف إطلاق نار يمنح للدولة اللبنانية، لا لاتفاق إسلام آباد ومفاوضاته المعقدة.

 الجديد في كلام سلام، كان إعلانه صراحة أن المفاوضات لن توصل إلى نتائج مضمونة، “ولكنها أقل كلفة”. غير أن الكلفة هنا مضاعفة، وعنوانها التنازلات المتكررة لإسرائيل التي جعلتها في موقع المفاوض الأقوى. 

في كل مرة، يعيد لبنان الرسمي أن هدف المفاوضات هو عدم منح إسرائيل حجة للخروج منها، وأنها أقل كلفة عليه، علماً أنه، وفي ظلها، تُدمّر أرضه في الجنوب والبقاع، ويُقتل مواطنوه بالعشرات، من دون أن يحقق أي هدف يُرجى.

والأصعب أن جلسة التفاوض الأمني عُقدت بينما كانت إسرائيل تمارس اجتياحاً للجنوب وتشن غارات عنيفة. ولم تقبل بوقف إطلاق نار مؤقت، وكانت تريد تكريس واقع التنسيق الأمني مع الجيش اللبناني، والعمل معه على ما تسميه نزع سلاح حزب الله بالقوة.

وفي الاجتماع نفسه، رفضت إسرائيل الانسحاب كما رفضت وقف إطلاق النار، وأصرت على الاحتفاظ بمنطقة أمنية عازلة على الحدود. وأصر الوفد العسكري اللبناني على رفض الإملاءات، فكانت النتيجة فشل الاجتماع وترحيل البحث إلى جولة المفاوضات الرابعة برئاسة السفير سيمون كرم. وهي جلسة إضافية لا يُتوقع أن تنجح في تحقيق وقف إطلاق النار. وليس معلوماً سبب الإصرار اللبناني على المفاوضات وعدم التلويح بوقفها ما لم تلتزم إسرائيل وقف النار. وقد اقتنعت الدولة الرسمية، بعد الاجتماع الأمني أمس الأول، بأن الجناح العسكري يلتزم بتنفيذ توصيات الجانب السياسي، وليس العكس. 

ماذا عن انسحاب إسرائيل؟

على المقلب الآخر، ليس الوضع على أفضل حال. فحزب الله يعوّل على الميدان ويكثف عملياته ضد الاحتلال في الداخل، ويطلق صليات من الصواريخ باتجاه كريات شمونة ونهاريا وليمان وحتى صفد، واعداً بمفاجآت أخرى. المشكلة أن واقع الجنوب بات في غاية التعقيد، بما يصعّب الحلول المرتقبة. فالتعويل على وقف إطلاق النار وحده لم يعد يكفي من دون توابعه، أي انسحاب إسرائيل وعودة الواقع إلى ما كان عليه قبل حرب الإسناد الأولى والثانية.

وحتى لو اتكل لبنان على اتفاق إسلام آباد، فإن إيران تضع وقف إطلاق النار بنداً أول في أي اتفاق مع الولايات المتحدة. لكن ماذا عن انسحاب إسرائيل؟ وهل سيرضى حزب الله بوقف عملياته ضد قوات الاحتلال؟ وما الذي سيعنيه وقف النار فيما الأراضي لا تزال محتلة في الجنوب؟

يؤكد حزب الله أن وقف إطلاق النار سيتم بحكم الاتفاق في إسلام آباد، من دون رضى إسرائيل، لكن ما الذي يمنع العودة إلى ما قبل الثاني من آذار، أي استمرار حرب المسيّرات والاستهدافات بحجة حق إسرائيل في الدفاع عن النفس؟

مع استمر الاحتلال، سيحتفظ حزب الله بحقه في مقاومة المحتل، ما يعني استمرار الحرب في الجنوب واستحالة عودة النازحين إلى قراهم. ويؤكد حزب الله أن إيران تصر على ألا يكون هناك أي اتفاق من دون وقف إطلاق النار في لبنان، على أن تشهد فترة الستين يوماً مفاوضات حول الانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي المحتلة وهذا سيستلزم وقتاً لا شك.

ويجزم الحزب بأن إسرائيل لن تبقى في القرى التي توغلت إليها، لأنها ستواجه بعمليات مقاومة، كما أن الأراضي التي تحتلها داخل فلسطين ستكون عرضة لسقوط وابل من الصواريخ، بحيث لن ينعم المستوطنون بالأمن ما لم تنسحب إسرائيل بالكامل من جنوب لبنان.

معادلات جديدة لواقع صعب، قد لا يتوقف على إعلان وقف إطلاق النار رغم أهميته. فالأمور قد لا تسير بالانسيابية التي يتوقعها البعض، والانسحاب، من وجهة نظر إسرائيل وبعض حلفائها، سيكون مشروطاً بسحب سلاح حزب الله.

وقد رفضت إسرائيل عرضاً لبنانياً تقدّم به رئيس الوفد اللبناني، يقوم على مبدأ تقسيم المناطق والانسحاب منها تدريجياً. بحيث تنسحب إسرائيل من منطقة بنت جبيل، على سبيل المثال، فيتولى الجيش اللبناني الانتشار فيها، ثم يُصار إلى الانسحاب من منطقة ثانية، فيتولى الجيش مسؤوليتها أيضاً، بما يؤدي إلى حصر السلاح بيد الدولة بصورة تدريجية.

لكن إسرائيل رفضت العرض، ولا تزال تصرّ على سحب السلاح عبر آلية تكون قواتها شريكة في تنفيذها.

وأخطر ما في المسألة أن استمرار الاحتلال قد يصبح مطلباً إسرائيلياً ـ أميركياً يحظى بدعم بعض الأطراف العربية التي ترفض بقاء سلاح حزب الله، ولا تمانع في أن تكون إسرائيل شريكاً في إزالته لمصلحة تكريس سيطرة الدولة.

معادلات لواقع صعب: ماذا لو ربطت إسرائيل انسحابها بالسلاح؟ .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...