أتى تعيين محمد هزيمة محافظاً للنبطية بعد مشاورات سياسية وتنافس بين عدد من المرشحين على تولي المنصب، في ظل تباينات داخل حركة “أمل” حول الأسماء المطروحة. وبحسب معلومات “المدن“، شهدت عملية التعيين تدخلات من مرجعيات سياسية وحركية، قبل أن يُحسم الاختيار لمصلحة هزيمة عقب لقاء جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري برئيس الحكومة نواف سلام. كما سبقت التعيين مراحل من البحث في أسماء مرشحين آخرين، قبل اعتماد آلية التعيينات وإجراء مقابلات مع ثمانية مرشحين، وصولاً إلى إقرار التعيين في مجلس الوزراء.
يعكس هذا التعيين طبيعة التوازنات داخل حركة “أمل”، وحدود قدرة آلية التعيينات على فرض معايير مستقلة عن الحسابات السياسية، فضلاً عن الدور الذي باتت تؤديه العلاقات الخارجية وشبكات التعاون الإنمائي في تعزيز فرص المرشحين للمواقع الإدارية.
من التكليف إلى التنافس على الموقع
بدأت خلفيات التعيين قبل وصول اسم هزيمة إلى مجلس الوزراء. فبعد تكريس العرف الذي يقضي بإسناد محافظة النبطية إلى شخصية شيعية من منطقة البقاع، دخل الموقع في مخاض سياسي وإداري، ترافق مع إنهاء تكليف هويدا الترك، الآتية من ملاك الجامعة اللبنانية، والتي كانت تتولى مهام المحافظة.
وبحسب مصادر “المدن”، كان يجري التحضير لتعيين الترك بالأصالة، لكنها عينت مديرة عامة في مجلس النواب. وكانت الترك قد أنهت مهامها في كانون الثاني 2026، ليتولى محافظ الجنوب منصور ضو تسيير شؤون محافظة النبطية مؤقتا وفي مرحلة لاحقة، برز اتجاه إلى تعيين حسين الديراني من دون المرور بآلية التعيينات، إلا أن اعتراضات داخل الحكومة أدت إلى إعادة الملف إلى المسار الإداري المعتمد. وفُتح باب تقديم الترشيحات، قبل أن تُجرى مقابلات مع ثمانية مرشحين، بينهم حسين الديراني ومحمد شكر ومحمد هزيمة وغسان ملحم.
لكن الانتقال إلى المقابلات لم يُنهِ التدخلات السياسية. فقد استمر التنافس على الأسماء، خصوصاً داخل حركة “أمل”، حيث سعى أكثر من طرف إلى إيصال المرشح الأقرب إليه. وهكذا، تحولت آلية التعيينات إلى محطة ضمن عملية اختيار بقي قرارها النهائي مرتبطاً بالتوافق السياسي.
صراع الأجنحة داخل “أمل“
تُشير معلومات “المدن” إلى أن التنافس الفعلي لم يكن محصوراً بين المرشحين الثمانية، بل دار بين مرجعيات سياسية وحركية سعت إلى تثبيت نفوذها في الموقع. فقد زكّى النائب علي حسن خليل المرشح مصطفى الديراني، الذي حظي أيضاً بدعم قبلان قبلان، قبل أن يخرج اسمه من دائرة الاختيار النهائي، وسط معلومات عن تدخلات هدفت إلى منع وصوله إلى المنصب. وفي المقابل، برز هزيمة مرشحاً مدعوماً من الدائرة القريبة من النائب هاني قبيسي، وأن الرئيس نبيه بري زكاه.
وتكشف هذه المعطيات عن تنافس داخل الحركة على موقع إداري يتصل مباشرة بإدارة منطقة تُعد من أبرز معاقل نفوذها السياسي والشعبي. فالمحافظ لا يؤدي دوراً إدارياً فحسب، بل يشكل حلقة وصل بين الوزارات والبلديات والأجهزة الأمنية، ويتولى مسؤوليات تتصل بإدارة الأزمات وتنسيق الاستجابة مع المؤسسات الرسمية، وهي مهمات تزداد أهميتها في محافظة تعرضت بلداتها لدمار واسع جراء الحرب الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، توضح المصادر أن علاقة هزيمة داخل هذا المحيط لا تمر مباشرة عبر النائب هاني قبيسي، وإنما من خلال المهندس علي حسن، صهر قبيسي. وتكتسب هذه العلاقة أهمية في فهم المسار السياسي الذي دعم ترشيحه، في مقابل المحور الذي أيّد مرشحين آخرين.
وبحسب المصادر نفسها، جاء الحسم خلال لقاء جمع بري برئيس الحكومة نواف سلام، حيث أبلغ رئيس المجلس ضيفه أن القرار استقر على تعيين محمد هزيمة. وبذلك، انتهى التنافس الداخلي لمصلحة المرشح الذي استطاع الحصول على الغطاء السياسي اللازم، بعد مرحلة شهدت محاولات متبادلة لترجيح الأسماء أو استبعادها.
العلاقات التركية في حسابات التعيين
لا تقتصر خلفية هزيمة على علاقاته السياسية المحلية. فالمحافظ الجديد، البالغ 33 عاماً والمنحدر من بعلبك، يحمل دكتوراه في إدارة التسويق من جامعة فارنا في بلغاريا، وسبق أن تولى منصب نائب رئيس منتدى شباب التعاون الإسلامي ممثلاً المجموعة العربية، قبل أن يشغل منصب مدير إدارة التعليم والتدريب فيه. كما انخرط في مشاريع تعاون إنمائي مع وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا”، بينها مشاريع زراعية في الجنوب والبقاع.
لكن هذه العلاقات اكتسبت، وفق مصادر “المدن”، بعداً إضافياً خلال مرحلة التنافس على المحافظة. إذ تشير المعلومات إلى أن هزيمة حصل على تزكية من شخصيات مقربة من نجل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في سياق الحديث عن إمكان المساعدة في تأمين بيوت جاهزة للمتضررين من الحرب، إلى جانب أشكال أخرى من الدعم للنازحين.
ولا يعني ذلك ثبوت تدخل رسمي تركي في قرار التعيين، لكن المعلومات تطرح مسألة توظيف شبكة العلاقات الخارجية في دعم ترشيح داخلي. فإمكان الوصول إلى جهات مانحة ومؤسسات قادرة على توفير مساعدات بات عنصراً إضافياً في الحسابات السياسية، خصوصاً مع تزايد الاحتياجات الإنسانية والإنمائية في الجنوب.
كواليس تعيين محافظ النبطية .









