من مطار رفيق الحريري الدولي، حيث أحبط الأمن العام والجمارك واحدة من أكبر عمليات تهريب المخدرات، قدّمت السلطات اللبنانية دليلًا إضافيًا على ما تستطيع تحقيقه حين تتوافر الإرادة السياسية والقرار الحاسم والتنسيق بين المؤسسات. إنجاز يسهم في إعادة الاعتبار إلى صورة لبنان التي شوّهتها سنوات من هيمنة “الممانعة” على الحدود والمرافق العامة ومفاصل الدولة، وما خلّفته من أضرار جسيمة بعلاقاته العربية والدولية. غير أنّ استعادة الهيبة لا تكتمل إلّا بإنجاز المهمة السيادية الأكبر، التي تتثمثل بضبط ومصادرة آخر سلاح غير شرعي.
وفي تفاصيل العملية النوعية، علمت “نداء الوطن” أنّ الأمن العام حصل على معلومة دقيقة تفيد بأنّ مهرّبًا سوريًا يُدعى “ب. ح.” يعتزم نقل مواد مخدّرة إلى لبنان، من دون أن تتضمّن المعلومة أيّ تفاصيل إضافية سوى اسمه. وعلى أساسها، باشر الجهاز عملية رصد ومتابعة دقيقة وسرّية، بإشراف مديره العام اللواء حسن شقير، الذي حرص على التكتّم الشديد على مجرياتها. وامتدّت المراقبة من انطلاق المهرّب من أكرا، عاصمة غانا، حتى وصوله إلى مطار بيروت، حيث تولّت عناصر الأمن العام تعقّبه منذ نزوله من الطائرة وحتى تسلّمه حقيبتيه. وعند بلوغه نقطة الجمارك، طلب الأمن العام من عناصر الجمارك تفتيش الحقائب، فعُثر على حوالى 50 كيلوغرامًا من الكوكايين الخام.
وأظهرت التحقيقات، وفق معلومات خاصة لـ”نداء الوطن”، أنّ شبكة التهريب استخدمت مادة تحول دون اكتشاف المخدرات بواسطة أجهزة المسح (السكانر)، ما يسلّط الضوء على ضرورة تطوير هذه الأجهزة وتعزيز التفتيش بكلاب بوليسية مدرّبة على كشف المخدرات والمتفجّرات. وعقب هذا الإنجاز الأمني، تلقّى اللواء شقير اتصالات تهنئة من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فضلا عن اتصالات من خارج لبنان.
هاجس الحرب يعود
لكنّ النجاح في ضبط المعابر لا يقابله حتى الآن تقدّم مماثل في معالجة التعقيدات الأمنية والسيادية في الجنوب، حيث لا تزال المفاوضات تصطدم بشروط إسرائيلية وتحفّظات لبنانية. وفي هذا السياق، علمت “نداء الوطن” أنّ الأمور لا تزال تراوح مكانها بانتظار اتضاح ملامح المشهد السياسي الإسرائيلي بعد الانتخابات، فيما رفض لبنان العرض الإسرائيلي المقدَّم خلال مفاوضات تامبا، والقاضي بإسناد مهمة مراقبة الهدنة وتطبيق المناطق النموذجية إلى منظمة غير حكومية (NGO)، بدلا من قوات تابعة لدول أوروبية أو أفريقية. وبحسب المعلومات، رفض الوفد الإسرائيلي الدول التي اقترحها الجانب اللبناني لتولّي هذه المهمة، فيما اعتبرت بيروت أنّ إسناد المراقبة إلى منظمة غير حكومية، خارج إطار الدول أو الأمم المتحدة، يشكّل انتقاصًا من السيادة اللبنانية وسابقة غير معهودة.
ولا تنفصل هذه العقدة التفاوضية عن المخاوف المتزايدة من احتمال انزلاق لبنان إلى حرب جديدة. ولفتت مصادر “نداء الوطن” إلى أنّ الإشارات التي وصلت من “حزب الله” إلى بعبدا وعين التينة، ومفادها أنّه لن يشارك في أيّ إسناد، لم تبدّد الهواجس، لكونها لا ترقى إلى مستوى تعهّدات رسمية واضحة. وتتعزّز الشكوك في صدقيتها بعدما سبق لـ”الحزب” أن نكث بوعوده خلال حرب إسناد إيران، وسط مخاوف من أن يعاود الانخراط في المواجهة إذا صدر القرار عن الحرس الثوري الإيراني.
وتزداد خطورة هذه المخاوف في ضوء ما كشفته مصادر دبلوماسية أميركية لـ”نداء الوطن” عن أنّ دخول “حزب الله” في “حرب إسناد” لإيران، في حال تعرّضها لهجوم أميركي، قد يفتح الباب أمام سيناريو عسكري إسرائيلي واسع، يشمل التوغّل إلى شمال نهر الأوّلي، والسيطرة على مدن النبطية وصور وصيدا، وفرض حصار على مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأَي بيروت وطرابلس، وصولا إلى تدمير واسع للضاحية الجنوبية لبيروت، وصفته المصادر بـ”إزالتها عن الخريطة”. وتزعم المصادر أنّ هذا السيناريو يحظى بموافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأنّ إدارته حذّرت الدولة اللبنانية من عواقب انخراط “الحزب” في الحرب.
لا لازدواجية السلاح والسلطة
وفي مقابل هذه المخاطر، يتمسّك لبنان رسميًا بخيار استعادة القرار السيادي وحصرية السلاح. فأكّد وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، خلال مؤتمر حوار المنامة، أنّ الحكومة اتخذت قرارات تقضي بحصر السلاح بيد الدولة وحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ”حزب الله”، مشدّدًا على أنّها خيار وطني لإنهاء ازدواجية السلطة ووجود التنظيمات المسلّحة خارج الشرعية. وأعلن تضامن لبنان مع دول الخليج في مواجهة ما وصفه بالاعتداءات الإيرانية وتلك التي تنفّذها مجموعات مرتبطة بطهران.
الحزم الكهربائي
وعلى الصعيد الداخلي، ينتقل اختبار الحزم إلى قطاع الكهرباء، مع انتهاء المهلة التي منحتها مؤسسة كهرباء لبنان للإدارات والمؤسسات العامة لتسديد فواتيرها المتراكمة منذ التسعينات، والبالغة 248 مليون دولار، تحت طائلة قطع التغذية عنها. وفيما قرّرت المؤسسة المضي في تنفيذ قرارها بحق الجهات المتخلّفة عن الدفع، باستثناء المستشفيات الحكومية، بادرت بعض الإدارات إلى تسديد مستحقاتها أو جدولة ديونها، وتوصّل مطار بيروت إلى اتفاق لتسوية المتأخّرات المترتّبة عليه.
سيناريو إسرائيلي تصعيدي: اجتياح الجنوب ومحو الضاحية .









