يزيد بن فرحان في بيروت: زيارة مدخلها الاقتصاد وعمقها التفاوض

يمكن اعتبار أن زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان مدخلها الاقتصاد، وعمقها التفاوض، وتوقيتها مرتبط بارتفاع حظوظ التوصل إلى اتفاق أميركي ـ إيراني. فقد عقد اجتماعات بقي بعضها بعيداً عن الأضواء، في وقت يستعد فيه لبنان لجولة تفاوض حساسة مع واشنطن بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية المقبلة. وتحدثت مصادر مواكبة للزيارة عن مجموعة أهداف غير معلنة، أبرزها:

-اختبار وجود موقف لبناني موحّد. فالسعودية تدرك أن المشكلة الأساسية في لبنان تكمن في تعدد مراكز القرار، ولذلك يحاول بن فرحان معرفة ما إذا كان باستطاعة رئيسي الجمهورية جوزاف عون ومجلس النواب نبيه بري الذهاب إلى واشنطن بموقف واحد. ونُقل عنه قوله إن الرياض لا تريد دعم مسار تفاوضي ينهار عند أول خلاف داخلي.

-فتح قناة غير مباشرة مع حزب الله عبر بري، لمعرفة حدود مرونة الحزب، وما إذا كان مستعداً لتسوية طويلة الأمد في الجنوب تتضمن التخلي عن السلاح، وما إذا كانت إيران قد أعطت إشارات تسمح بتخفيف مستوى الاشتباك على الساحة اللبنانية. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار لقائه مع رئيس المجلس من أهم لقاءات الزيارة، وربما الأهم بين سائر اللقاءات.

-الإيحاء بأن الرياض ستكون شريكاً في مرحلة ما بعد الحرب، بعد سنوات من الابتعاد النسبي، وأنها لا تريد ترك الملف اللبناني حصراً للأميركيين.

شريكة في صياغة التسوية

تعكس زيارة بن فرحان عودة السعودية إلى طاولة رسم مستقبل لبنان، انطلاقاً من اعتبار مشاركتها في إعادة الإعمار أو تقديم الدعم المالي مشروطة بأن تكون شريكاً في صياغة التسوية، لا مجرد ممول لها. وتأتي غداة القرار الملكي الأخير بفتح الأسواق السعودية أمام الصادرات اللبنانية.

إنها إذن بداية مسار جديد من الدعم الاقتصادي للبنان، انطلقت مع رفع الحظر، وإن كانت استعادة لبنان مكانته في الأسواق السعودية تحتاج إلى وقت طويل بعد سنوات من الغياب. وبما أن الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة، فقد شكّل رفع الحظر مؤشراً إلى عودة سياسية سعودية إلى لبنان، وإعادة تنظيم العلاقة م عه، بالتزامن مع الوصول المرتقب للسفير الجديد فهد الدوسري.

ومنذ انتخابه، بنت السعودية علاقة ود مع رئيس الجمهورية جوزاف عون. ففي كل مرة زار فيها الأمير يزيد بيروت، كانت لقاءاته تبدأ من بعبدا وتنتهي فيها. كما أن التواصل مع المستشار الرئاسي الأول أندريه رحال دائم ومفتوح حول مختلف الملفات المفصلية، ولا سيما المفاوضات المباشرة، والعلاقة مع حزب الله، والأهم العلاقة بين الرؤساء الثلاثة وعودة الوئام بينهم. وقد بات واضحاً أن المملكة لا تجد ضيراً في عودة “الترويكا”، وهي سعت لتحقيقها في زيارة بن فرحان السابقة والتي انتجت في حينه زيارة لرئيس المجلس إلى بعبدا بعد قطيعة طويلة. ويمكن اعتبار ان العميد رحال والمعاون السياسي علي حسن خليل يعملان على تمهيد الطريق للقاء والتنسيق لموقف متقارب.

الحرص على العلاقة بين الرؤساء

ووفق المعلومات، فإن الزيارة الحالية للموفد السعودي تركز، في جانب منها، على تحسين العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وتعزيز الوحدة الداخلية. ولا تزال السعودية تولي أهمية خاصة لعلاقتها مع رئيس المجلس النيابي، وتعتبره ركيزة أساسية في العلاقة مع الشيعة في لبنان. وإن كانت متمسكة بموقفها الرافض لتمدد حزب الله وسلاحه، فإن انفتاحها على العلاقة مع طهران دفعها إلى مقاربة الملف بواقعية أكبر، مع تأكيدها الدائم على تجنب أي صدام داخلي مهما كانت الدوافع.

وتسعى السعودية إلى عودة مستقرة إلى لبنان، بما يسمح لها باستعادة حضورها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. ويبدو لبنان نافذة لدور إقليمي ترى المملكة أنه يؤهلها لترسيخ موقعها المستقبلي في المنطقة، خصوصاً إذا كان لبنان، وهو ما يبدو مرجحاً، مشمولاً بأي اتفاق أميركي ـ إيراني مرتقب. كما أن للمملكة مع هذا البلد جذوراً سياسية عميقة تعود إلى اتفاق الطائف، الذي يحضر دائماً في مواقف يزيد بن فرحان خلال لقاءاته مع مختلف الأطياف السياسية.

وفي العهد الحديث، تقدر للرئيس بري دوره في حماية حكومة وشخص نواف سلام، إذ بات رئيس المجلس يتعامل معها باعتبارها “وديعة سعودية” يفترض الحفاظ عليها صوناً للعلاقة مع المملكة. وتشير المعلومات إلى أن السعودية كانت قد أبلغت موفد بري خلال زيارته الأخيرة، حرصها على العلاقة مع رئيس الحكومة ودعم استمرار سلام على رأس الحكومة، مع عدم ممانعتها مستقبلاً إجراء تعديل حكومي، شرط بقائه في موقعه.

كما تتحدث مصادر مواكبة عن وجود تنسيق عالٍ بين السعودية وبري، الذي يصر على وجود دور للمملكة في أي ترتيبات أمنية قد تنتج عن اتفاق شامل لوقف إطلاق النار في الجنوب. وقد أكد بن فرحان دعم بلاده لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان وانسحاب إسرائيل، على أن يترافق ذلك حكماً مع سحب سلاح حزب الله، وأن يكون هذا الشرط مقابلاً لتخلي إسرائيل عن مطلب حرية الحركة في جنوب لبنان.

وتبدو زيارة بن فرحان أقرب إلى استطلاع سياسي شامل، مع دخول المنطقة مرحلة جديدة. فإذا انتهت المواجهة الإيرانية الإسرائيلية بتفاهمات دولية، فإن لبنان سيكون أحد الملفات التي سعاد ترتيبها، والسعودية تريد أن تكون حاضرة منذ البداية، لا بعد اكتمال الترتيبات.

أما النقطة التي تستحق المتابعة خلال الأيام المقبلة، فهي معرفة ما إذا كان بن فرحان قد حمل إلى بري رسالة سعودية ـ أميركية مشتركة تتعلق بمستقبل السلاح جنوب الليطاني، مقابل انسحاب إسرائيلي كامل وإطلاق ورشة إعادة الإعمار. فإذا كان هذا البند قد طرح فعلاً، وهذا المرجح وفق المصادر المتابعة، فإن لبنان قد يكون أمام بداية نقاش جدي حول صيغة جديدة للبنان بعد حرب 2026

يزيد بن فرحان في بيروت: زيارة مدخلها الاقتصاد وعمقها التفاوض .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...