جوزاف عون كسر الخط الأحمر الإيراني… فبدأت حملة التخوين

“حزب الله” تواصل مع إسرائيل عبر طرف ثالث محاولاً التوصل إلى اتفاق من دون المرور بالدولة اللبنانية

لم تكن الحملة التي شنها “حزب الله” وأبواقه السياسية والإعلامية ضد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون مجرد رد فعل على تصريح أو موقف سياسي. فما نشهده في الحقيقة هو مواجهة بين مشروعين متناقضين بالكامل، مشروع الدولة اللبنانية التي تحاول استعادة قرارها السيادي، ومشروع إقليمي تقوده إيران ويعد لبنان جزءاً من منظومة نفوذ تتجاوز حدوده ومصالح شعبه.

خلال العام الأول من ولايته، لم يدخل قصر بعبدا رافعاً راية المواجهة مع “حزب الله”، ولم يطرح مشروعاً صدامياً، بل اختار منذ البداية سياسة الاحتواء والحوار. منح الحزب فرصة تلو الأخرى للدخول في مشروع الدولة، وفضّل تجنب الانفجار الداخلي على رغم الانتقادات الواسعة التي طاولته من شرائح كبيرة من اللبنانيين كانت تعتبر أن الحزب لا يؤمن أصلاً بمنطق الدولة ولا بالحوار.

تحمّل الرئيس اللبناني جوزاف عون جزءاً من الكلفة الشعبية والسياسية أملاً في الوصول إلى تسوية داخلية تسمح بعودة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية. ذهب إلى حوار ثنائي وفتح أبواب التواصل وتجنب التصعيد في أكثر من محطة. لكن مرور الوقت أثبت أن المشكلة لم تكُن يوماً في طريقة تعاطي الدولة مع “حزب الله”، بل في طبيعة المشروع الذي يحمله الحزب نفسه.

فـ”حزب الله” لا ينظر إلى نفسه على أنه جزء من الدولة اللبنانية، بل على أنه قوة فوق الدولة. ولا يرى لبنان وطناً نهائياً مستقلاً، بل ساحة متقدمة ضمن الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية. ولهذا السبب تحديداً بدأت حملة التخوين بمجرد أن قرر لبنان الرسمي بقيادة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام الانتقال من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة تثبيت مرجعية الدولة.

والمقابلة الأخيرة للرئيس جوزاف عون شكلت نقطة التحول الأساسية، فخلال تلك المقابلة تحدث بلغة واضحة وحاسمة عن السيادة وحصرية السلاح وحق الدولة وحدها في اتخاذ القرار الأمني والعسكري. للمرة الأولى منذ أعوام طويلة بدا أن رأس الدولة اللبنانية يتحدث بلغة الدولة لا بلغة التسويات الموقتة.

وهذا الكلام لم يزعج “حزب الله” فقط، بل أثار استنفاراً إيرانياً مباشراً، فسرعان ما دخل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على خط السجال اللبناني الداخلي، في خطوة تعكس حجم القلق الذي أصاب طهران من المسار الجديد الذي بدأ يتشكل في بيروت.

والحقيقة أن غضب إيران ليس موجهاً ضد شخص جوزاف عون بقدر ما هو موجه ضد فكرة الدولة اللبنانية نفسها، إذ إن طهران اعتادت خلال العقود الماضية التعامل مع لبنان باعتباره إحدى ساحات نفوذها الأساسية، ولم يخفِ كبار المسؤولين الإيرانيين ذلك في مناسبات عدة، فتحدث قاسم سليماني علناً عن امتلاك إيران أكثرية نيابية داخل البرلمان اللبناني، فيما ذهب عدد من قادة الحرس الثوري أبعد من ذلك عندما وضعوا لبنان، فضلاً عن العراق وسوريا واليمن ضمن ما سمّوه “فضاء النفوذ الإيراني”.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم سبب الانزعاج الإيراني من أية محاولة لفصل المسار اللبناني عن المسارات الإقليمية الأخرى، فنجاح لبنان في استعادة قراره الوطني يعني عملياً سقوط إحدى أهم أوراق النفوذ الإيرانية في الشرق الأوسط.

وهنا تكمن العقدة الأساسية، فبينما يعمل رئيس الجمهورية على تثبيت مسار لبناني مستقل في المفاوضات والملفات السيادية، يصر “حزب الله” على ربط مصير لبنان بالمفاوضات الإيرانية- الأميركية وبمصالح طهران الإقليمية. ويدرك الحزب أن أي فصل حقيقي بين لبنان والمشروع الإيراني سيؤدي تلقائياً إلى طرح السؤال الوجودي حول دوره ووظيفته ومستقبل سلاحه.

ولهذا السبب يحاول إبقاء لبنان معلقاً بين الحرب واللاحرب بانتظار نتائج المفاوضات الكبرى، وكلما اقترب اللبنانيون من استعادة دولتهم، ازدادت محاولات تعطيل هذا المسار وربطه بالتطورات الخارجية.

والأخطر أن الوقائع الأخيرة كشفت عن مفارقة سياسية كبيرة، فمن جهة يهاجم “حزب الله” الدولة اللبنانية لأنها تدير المفاوضات والاتصالات الرسمية، ومن جهة أخرى ظهرت معلومات عن محاولات لفتح قنوات تواصل غير مباشرة بعيداً من الدولة اللبنانية نفسها.

الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد، مراسل موقع “أـكسيوس” (Axios) في واشنطن، تحدث عن اتصالات جرت عبر أطراف ثالثة مرتبطة بـ”حزب الله” بهدف الوصول إلى تفاهمات تتعلق بوقف إطلاق النار وخفض التصعيد. كذلك كشفت معطيات أخرى عن محاولات لإيصال رسائل وضمانات إلى الإدارة الأميركية خارج إطار المؤسسات الرسمية اللبنانية.

وهذه الوقائع تكشف عن حقيقة أساسية غالباً ما يجري تجاهلها، “حزب الله” لا يرفض التفاوض عندما تفرضه الظروف ولا يرفض التسويات عندما تصبح ضرورية، لكنه يرفض أن تتم هذه العملية عبر الدولة اللبنانية. فهو مستعد للتفاوض عبر قنوات موازية ومستعد لإرسال الرسائل عبر الوسطاء، لكنه لا يريد أن تصبح الدولة المرجعية الوحيدة في قضايا الحرب والسلم.

بمعنى آخر، المشكلة ليست في التفاوض، بل في هوية المفاوض. وليست في الاتفاق، بل في الجهة التي تدير الاتفاق. فبالنسبة إلى الحزب، يشكل نجاح الدولة اللبنانية في استعادة دورها خطراً أكبر من أي تفاهم سياسي أو أمني يمكن أن يُعقد.

لهذا السبب تحديداً انفجرت حملة التخوين ضد جوزاف عون. فالرجل لا يقود انقلاباً، ولا يدعو إلى حرب أهلية، ولا يطرح مشروع انتقام. كل ما يقوم به هو محاولة إعادة القرار للمؤسسات الدستورية وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح.

ولذلك، فإن المعركة الدائرة اليوم ليست بين جوزاف عون و”حزب الله” كشخصين أو كجهتين سياسيتين، إنها معركة بين من يريد لبنان دولة طبيعية سيدة حرة تدير شؤونها بنفسها، ومن يريد إبقاءه ورقة تفاوض إقليمية وساحة مفتوحة لخدمة مشاريع خارج حدوده.

لهذا يخاف “حزب الله” وإيران من جوزاف عون، ليس لأنه يملك جيشاً يواجههما ولا لأنه يقود مشروع مواجهة، بل لأنه يمثل عودة الدولة اللبنانية للحياة. وبالنسبة إلى المشروع الإيراني، يشكل ذلك أخطر التطورات التي شهدها لبنان منذ عقود.

جوزاف عون كسر الخط الأحمر الإيراني… فبدأت حملة التخوين .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...