حين قال الرئيس: هذه بلادنا

نادرًا ما تحمل مقابلة إعلامية أبعادًا تتجاوز الحدث الآني لتتحول إلى إعلان سياسي متكامل عن هوية مرحلة بأكملها. هذا تمامًا ما فعله رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في مقابلته مع CNN. لم تكن المقابلة مجرد عرض لمواقف الدولة اللبنانية في خضم الحرب الدائرة، بل شكّلت بيانًا سياديًا واضحًا رسم من خلاله الرئيس حدود المشروع الذي يقوده: استعادة القرار اللبناني من منطق الساحات، وإعادته إلى كنف الدولة.

في جوهر كلامه، وضع عون يده على أصل الأزمة اللبنانية. فالمشكلة لم تكن يومًا في الحرب وحدها، بل في تحوّل لبنان على مدى عقود إلى مساحة تستخدمها القوى الإقليمية لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل وتحسين شروط التفاوض. ومن هنا جاءت عبارته الأكثر دلالة عندما رفض بوضوح موقف الحرس الثوري الإيراني الرافض للاتفاق، مؤكدًا أن من يقرر مصير لبنان هم اللبنانيون وحدهم، لا أي جهة خارجية مهما بلغ حجم نفوذها أو تأثيرها.

لقد اختصر الرئيس المعضلة الوطنية بكلمات قليلة لكنها شديدة الوضوح: هذا ليس بلدكم، بل بلدنا. نحن الذين يُقتل أبناؤنا، ونحن الذين تُدمّر منازلنا وقرانا، ونحن الذين نتحمل كلفة الحروب والانهيارات. أما أولئك الذين ينظرون إلى لبنان باعتباره ورقة تفاوضية في صراعاتهم مع الولايات المتحدة أو غيرها، فهم لا يدفعون ثمن الدم اللبناني، ولا يعيشون تحت القصف، ولا يشهدون انهيار المؤسسات والاقتصاد.

تكمن أهمية هذا الموقف في أنه للمرة الأولى منذ سنوات طويلة يصدر عن رأس الدولة اللبنانية بهذا الوضوح. فالرئيس لم يكتفِ برفض التدخل الخارجي، بل ذهب أبعد من ذلك عندما وضع حدًا فاصلًا بين منطق الدولة ومنطق المحاور. فالعلاقة مع أي دولة، بما فيها إيران، يجب أن تكون علاقة احترام متبادل بين دولتين مستقلتين، لا علاقة نفوذ وتأثير داخل الساحة اللبنانية. إنها مقاربة تعيد الاعتبار لمفهوم السيادة الذي تآكل طويلًا تحت وطأة الانقسامات والحروب والارتباطات الخارجية.

وفي موازاة رسالته إلى الخارج، وجّه عون رسالة لا تقل أهمية إلى الداخل اللبناني، وتحديدًا إلى “حزب الله”. لم يتحدث بلغة الغلبة أو الإلغاء، بل بلغة الدولة التي تبحث عن حلول واقعية ومستدامة. فالرئيس يدرك أن أي معالجة لهذا الملف لا يمكن أن تكون إلا لبنانية، وأن مسؤولية الدولة والحكومة تكمن في احتواء القضية ضمن إطار وطني جامع. لكنه في الوقت نفسه وضع شرطًا أساسيًا لأي حل دائم، وهو إزالة الأسباب التي استُخدمت لتبرير استمرار السلاح خارج إطار الدولة، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي واستمرار حالة الصراع المفتوح.

إلا أن النقطة الأكثر عمقًا في المقابلة تمثلت في المقاربة التي قدمها للحرب نفسها. فالرجل الذي أمضى حياته في المؤسسة العسكرية وتولى قيادة الجيش في أصعب المراحل، لم يتحدث بعقلية الجنرال الباحث عن انتصار عسكري، بل بعقلية رجل دولة خبر كلفة الحروب ويدرك حدودها. ولذلك وجّه رسالة متساوية إلى إسرائيل و”حزب الله”، مفادها أن الطرفين يخوضان حربًا بلا جدوى، وأن أيًا منهما لن يحقق أهدافه النهائية عبر القوة العسكرية.

هذا التوصيف لا يعكس موقفًا سياسيًا فحسب، بل قراءة استراتيجية عميقة. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري الساحق، لم تنجح خلال عقود في القضاء على التنظيمات غير النظامية التي واجهتها، كما أن “حزب الله”، مهما امتلك من قدرات، لن يستطيع فرض واقع سياسي جديد بالقوة العسكرية وحدها. وبين هذين الخيارين الخاسرين يبقى لبنان هو الضحية الأولى، فيما تتراكم الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية عامًا بعد عام.

ومن هنا جاءت دعوة الرئيس إلى المفاوضات والدبلوماسية باعتبارهما الطريق الوحيد الواقعي لإنهاء الصراع. فالحروب في نهاية المطاف ليست سوى مفاوضات بالدم، أما الدبلوماسية فهي الطريق الأقل كلفة لتحقيق الأهداف السياسية. والتاريخ الحديث يثبت أن النزاعات الطويلة لا تنتهي بالحسم العسكري الكامل، بل بالتسويات والتفاهمات والاتفاقات السياسية، مهما تأخر الوصول إليها.

الأهم أن عون لم يتحدث عن السلام من موقع الضعف أو الاستسلام، بل من موقع الحرص على المصلحة الوطنية. فعندما قال إن اللبنانيين يستحقون العيش بسلام وكرامة، كان يعبّر عن وجع مجتمع كامل أنهكته الحروب المتكررة منذ عام 1969. أجيال كاملة عاشت تحت وطأة النزاعات، وشهدت تدمير المنازل وتهجير السكان وخسارة الفرص، فيما كان اللبنانيون ينتظرون قيام دولة قادرة على حمايتهم وإبعادهم عن صراعات الآخرين.

ولعل أكثر ما يمنح هذه المقاربة صدقيتها أن الرئيس لم يتحدث بلغة الشعارات، بل استند إلى واقع مأساوي ملموس. آلاف القتلى والجرحى، أكثر من مليون نازح، قرى مدمرة وعائلات أُبيدت بالكامل. إنها أرقام تختصر حجم المأساة الوطنية وتفسر لماذا باتت غالبية اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم وطوائفهم، تتطلع إلى نهاية لهذا المسار المدمر الذي استنزف البلاد لعقود.

في الحقيقة، لم تكن مقابلة CNN مجرد موقف من حرب قائمة أو اتفاق مطروح. لقد كانت إعلانًا عن معركة سياسية أكبر يخوضها العهد الجديد: معركة استعادة القرار الوطني. فجوهر ما قاله جوزاف عون يمكن اختصاره بفكرة واحدة: لا مستقبل للبنان إذا بقي ساحة، ولا أمل بقيامه إذا ظل ورقة في مفاوضات الآخرين، ولا إمكانية لإنقاذه إلا عبر دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم وتضع مصلحة شعبها فوق كل اعتبار.

وعندما قال الرئيس: “هذه بلادنا”، لم يكن يرد على الحرس الثوري الإيراني فحسب، بل كان يوجه رسالة إلى كل من اعتاد النظر إلى لبنان باعتباره مساحة نفوذ أو صندوق رسائل أو ورقة تفاوض. كانت تلك العبارة إعلانًا صريحًا بأن معركة العهد ليست معركة سلطة، بل معركة دولة، دولة تريد أن تستعيد قرارها وسيادتها ومكانتها، وأن تمنح شعبها أخيرًا حقه الطبيعي في العيش بأمن واستقرار وكرامة.

حين قال الرئيس: هذه بلادنا .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...