إيران في 2026 تواجه أزمات متقاربة قد تتحوّل إلى أزمات غير قابلة للسيطرة إذا لم يتمّ احتواؤها، إضافةً إلى ذلك، تعتمد طهران استراتيجية “حرب الاستنزاف” ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر ضربات غير مباشرة واستهداف الطاقة لكنّ هذه الاستراتيجية، على الرغم من قدرتها على الإطالة، لا تضمن تحقيق نصر حاسم، بل قد تؤدّي إلى إنهاك طويل الأمد.
في خضمّ التحوّلات الجيوسياسية المُتسارعة في الشرق الأوسط، يبرز سؤال مركزي: هل تواجه منظومة “محور المقاومة” هزيمةً مزدوجةً، واحدة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأخرى في طهران؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنّها ترتكز إلى معطيات ميدانية واقتصادية وسياسية تشير إلى تلازم بنيوي بين مصير حزب الله في لبنان ومصير إيران كداعمٍ رئيسيٍّ له. هذا التلازم يجعل أي انتكاسة لأحد الطرفين قابلةً للانعكاس مباشرة على الآخر.
منذ تأسيس حزب الله عام 1982، لم يكن مجرّد فاعل لبناني محلي، بل جزءًا من مشروع إقليمي تقوده إيران. هذا الارتباط لم يعد خافيًا، بل بات موثّقًا حتّى في التقارير الدولية، حيث لعب الحرس الثوري الإيراني دورًا مباشرًا في إعادة بناء الحزب بعد الضربات القاسية التي تعرّض لها في حرب 2024، بما في ذلك مقتل قياداته العليا.
وتؤكّد تقارير حديثة أنّ إيران أرسلت عشرات الضبّاط إلى لبنان لإعادة هيكلة الحزب عسكريًّا وتنظيميًّا، في محاولةٍ لتعويض الخسائر واستعادة القدرة القتالية، لكن هذا الترميم بحدّ ذاته يعكس حجم الضرر الذي أصاب الحزب، ويطرح تساؤلات حول مدى استدامة قوته.
فالحرب الدائرة راهنًا بين إسرائيل وحزب الله تكشف تحوّلات نوعيةً. فالمُعطيات تشير إلى سقوط أكثر من ألف قتيل في لبنان ونزوح نحو مليون شخص، أي ما يُقارب 20% من اللبنانيين. هذه المُعطيات لا تعكس مجرّد خسائر تكتيكيّة، بل أزمة استراتيجية، فالحزب لم يعد يحتكر قرار الحرب والسلم داخليًا، ولم يعد قادرًا على فرض معادلة ردع واضحة كما في 2006.
الأخطر أن قدراته العسكرية، على الرغم من إعادة بنائها، لم تعد كما كانت وفق تقديرات خبراء عسكريين، ما يعني أنّ ميزان القوّة يميل تدريجيًا ضدّه. وهناك أزمة التمويل والتبعيّة الاقتصادية، فالحزب يعتمد بشكل أساسي على التمويل الإيراني، لكن هذا التمويل يواجه تحدِّيَيْن: الأول العقوبات الدولية التي تستهدف الشبكات المالية المرتبطة بالحزب، والثاني الأزمة الاقتصادية داخل إيران نفسها. هذا الاعتماد المالي يجعل الحزب هشًّا: فاستمرار قدراته مرتبط مباشرة بقدرة إيران على الدفع، وليس بموارد ذاتية مستقلة.
في المقابل، تواجه إيران تحدّياتٍ عميقةً في الداخل والخارج: أزمات اقتصادية مزمنة نتيجة العقوبات، مع خسائر كبيرة في النّاتج والاستثمار، وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية والضغوط السياسية. وتشير تحليلات إلى أنّ إيران في 2026 تواجه أزمات متقاربة قد تتحوّل إلى أزمات غير قابلة للسيطرة إذا لم يتمّ احتواؤها، إضافةً إلى ذلك، تعتمد طهران استراتيجية “حرب الاستنزاف” ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر ضربات غير مباشرة واستهداف الطاقة لكن هذه الاستراتيجية، على الرغم من قدرتها على الإطالة، لا تضمن تحقيق نصر حاسم، بل قد تؤدّي إلى إنهاك طويل الأمد.
بهذا المعنى يمكن الحديث عن الترابط العضوي بين الهزيمتَيْن، فالعلاقة بين الضاحية وطهران ليست مجرّد تحالف، بل ترابط عضوي يمكن تلخيصه بثلاث نقاط:
1 – الاعتماد العسكري، فحزب الله يعتمد على التدريب والتسليح الإيراني، وأي تراجع في القدرات الإيرانية سينعكس مباشرة على الحزب.
2 – الاعتماد المالي، بمعنى أنَّ تمويل الحزب مرتبط بالاقتصاد الإيراني، ومع تراجع هذا الاقتصاد، يصبح استمرار الدعم محل شكّ.
3 – التماهي الاستراتيجي، فقرارات الحزب العسكرية باتت مرتبطةً بالسياق الإقليمي الذي تقوده طهران، ما يحدّ من استقلاليته ويضعه في مواجهة مباشرة مع قوى أكبر.
لكلّ هذه الأسباب مجتمعةً، تبدو الهزيمة متلازمةً، والهزيمة هنا لا تعني بالضرورة انهيارًا كاملًا، بل فقدان القدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية. وهذا ما يظهر في عجز حزب الله عن فرض معادلة ردع مستقرّة. ولجهة إيران، هناك عجز عن ترجمة نفوذها الإقليمي إلى مكاسب سياسية أو اقتصادية مستدامة، بل إنّ استمرار الصراع يستهلك الطرفَيْن في آنٍ واحدٍ، إيران تنفق مواردها لدعم وكلائها، وحزب الله يستنزف قوته في معارك مفتوحة.
في هذه الحال، ما هي السيناريوهات المحتملة؟ استمرار الاستنزاف، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث لا نصر حاسمًا لأي طرف، بل تآكل تدريجي في القوة، أو تسوية إقليمية قد تؤدّي إلى تقليص دور حزب الله. إنّ الحديث عن “تلازم الهزيمتَيْن” ليس طرحًا دعائيًا، بل قراءة في بُنية العلاقة بين حزب الله وإيران. فكلّ منهما بات مرآةً للآخر: قوة الحزب تعكس قوة طهران، وضعفه يكشف حدودها.
وفي ظلّ المعطيات الحالية من الخسائر الميدانية في لبنان، إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية في إيران، يبدو أنّ كلا الطرفين يدخل مرحلة اختبار تاريخي. قد لا تكون الهزيمة حتميةً أو فوريةً، لكنّها باتت احتمالًا واقعيًا يتعزّز مع كل جولة تصعيد جديدة. في الشرق الأوسط، كما تثبت التجارب، لا تأتي الهزائم دائمًا على شكل سقوطٍ مفاجئٍ، بل غالبًا ما تكون مسارًا طويلًا من التآكل، يبدأ من الضاحية، وينتهي في طهران.
“تلازم الهزيمتَيْن” بين الضاحية وطهران! .







