فُسّرت “الاستدارة” الإيرانية إلى الأهداف الأميركية المحتملة في لبنان بأنها الانتقام الفوري للإجراء النادر الذي أقدم وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي على اتخاذه
مع أن لبنان شهد في تجارب الحروب سوابق لا تُحصر، فإن ما شهده في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، ديبلوماسياً وعسكرياً، شكّل من الزاوية الاستراتيجية الأبعد من الوقائع الميدانية الجارية على أرضه حدثاً نادراً غير مسبوق وضعه على سوية كاملة للحرب الإقليمية “الكبيرة” المتدحرجة. “معركة الصواريخ” الباليستية والاعتراضية التي دارت رحاها في سماء وأجواء كسروان و”هطلت” شظاياها على العديد من بلداتها عصر أمس، أعقبت إجراءً ديبلوماسياً “تاريخيا” نادراً تمثّل في طرد السفير الإيراني المعيّن في لبنان، بما أدى إلى ربط التطورين بمعنى أن يكون إقحام لبنان في حرب تلقّي الصواريخ الباليستية الإيرانية التي قيل إنها استهدفت السفارة الأميركية في عوكر أو إسقاط صاروخ موجّه من لبنان إلى قبرص، ردّاً مباشراً او غير مباشر من إيران أو “حزب الله” على طرد السفير الإيراني. وإذ أثارت المعركة الصاروخية الغامضة هلعاً غير مسبوق عقب تساقط شظايا الصواريخ في حارة صخر وشننعير وغزير وكفرذبيان وصولاً حتى اللقلوق، بدا الترجيح الأمني الأولي متجهاً نحو استهداف إيراني صاروخي للسفارة الأميركية في عوكر واعتراض أميركي. ولكن موقع أكسيوس نقل عن مسؤول أميركي أن الصاروخ الإيراني الذي سقط في لبنان كان موجّهًا إلى دولة أخرى، قبرص على الأرجح. كما أن وكالة رويترز نقلت عن مصدر أمني لبناني أن عملية اعتراض الصاروخ الإيراني في سماء لبنان نفّذتها سفينة أجنبية. وتردّدت معلومات أخرى عن إطلاق صواريخ من البقاع في اتجاه السفارة الأميركية أسقطتها سفينة أميركية قبالة السواحل اللبنانية.
وفُسّرت “الاستدارة” الإيرانية إلى الأهداف الأميركية المحتملة في لبنان بأنها الانتقام الفوري للإجراء النادر الذي أقدم وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي على اتخاذه بموافقة رئيسي الجمهورية والحكومة جوزف عون ونواف سلام لطرد السفير الإيراني. ولم يقتصر رد فعل الإيراني على هذين الاحتمالين، بل إن التحريض المكشوف على التمرّد على إجراء الوزارة سرعان ما اكتسب طابعاً خطيراً حين بدأ تعميم معطيات تتحدث عن تمرد “الثنائي الشيعي” في وجه الإجراء لطرد السفير الإيراني ودعوته السفارة إلى عدم الامتثال لإجراء الدولة اللبنانية. وتبيّن أن “حركة امل” و”حزب الله” قد طلبا فعلاً من السفير الإيراني عدم التزام الطلب منه مغادرة بيروت الجمعة المقبل.
وكانت وزارة الخارجية والمغتربين استدعت القائم بالأعمال الإيراني في لبنان توفيق صمدي خوشخو، وقابله الأمين العام السفير عبد الستار عيسى وأبلغه “قرارَ الدولة اللبنانية” سحبَ الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيَّن محمد رضا شيباني، وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، مع مطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية في موعد أقصاه الأحد المقبل الواقع في التاسع والعشرين من آذار 2026.
وأوضحت وزارة الخارجية أن قرار سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني سنداً للمادة 9 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، “لا يعتبر قطعاً للعلاقات الديبلوماسية مع إيران، بل هو تدبير بحق السفير لمخالفته أصول التعامل الديبلوماسي وموجباته كسفير معيّن في لبنان. فالمادة 41 من الاتفاقية المشار إليها تمنع الديبلوماسيين من التدخل في الشؤون الداخلية للدول المعتمدين لديها، والسفير شيباني أدلى بتصريحات تدخّل فيها في السياسة الداخلية للبنان وقيّم القرارات المتخذة من قبل الحكومة، إضافة إلى ذلك أجرى لقاءات مع جهات غير رسمية لبنانية دون المرور بوزارة الخارجية”.
وأصدر “حزب الله” بياناً رفض فيه القرار وهاجم وزير الخارجية، ودعا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى “مطالبة وزير الخارجية، الذي بات يفتقد إلى الأهلية الوطنية نتيجة تقديم المصالح الحزبية على مصلحة لبنان وأمنه واستقراره، بالتراجع الفوري عن هذا القرار”.
في غضون ذلك، وجّه رئيس الجمهورية جوزف عون عبر “النهار” رسالة سريعة إلى اللبنانيين من باب الطمأنة من أن: “لا حرب أهلية ولا عودة إلى فصولها. وأن ظروف اليوم تختلف عن السبعينيات”. وخلال استقباله المستشار الدفاعي الأعلى للمملكة المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأميرال ادوارد الغرين، شدّد الرئيس عون على “أن لبنان لا يمكنه خوض حروب الآخرين على أرضه وهذا ما حدّده مجلس الوزراء في القرار الذي اتخذه قبل أسابيع”. ولفت إلى أن القرارات التي اتخذتها الحكومة في شأن حصرية السلاح وقرار السلم والحرب “لا رجوع عنها لأنها تنطبق على ما نصّ عليه الدستور واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري للحكومة”. وأكد أن مبادرة التفاوض التي أطلقها قبل أيام “لا تزال قائمة وقد حظيت بدعم إقليمي ودولي لافت، ويبقى أن تتجاوب إسرائيل مع الدعوات الى وقف اطلاق النار وتفعيل هذه المبادرة”.
وتعليقا على خطوة طرد السفير الإيراني، قال رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع: “حسنًا فعلت الحكومة اللبنانية بقرار طرد السفير الإيراني، والوزير رجّي بحث في هذا القرار مع رئيسي الجمهورية والحكومة. وقرار طرد السفير الإيراني كان يجب اتخاذه منذ فترة زمنية طويلة بسبب تدخّل إيران في لبنان، والأحداث الأخيرة التي حصلت في لبنان أثبتت بما لا يحتمل الشك أن الحرس الثوري موجود في لبنان على الأقل بمئات الأشخاص وهو يدير العمليات مباشرة. واعتبر أن كلّ الخسائر التي يتكبّدها لبنان في الحرب يجب أن ترفعها الحكومة اللبنانية إلى إيران لتقوم بسدادها”. وردًّا على تهديد “حزب الله” للحكومة اللبنانية، قال: “هذا الكلام مرفوض و”خلّي يحصّل بنطلونو وأيّام اللولو ما هلّلولو والدني ليست فالتة”.
وتزامن الإجراء الديبلوماسي النادر مع خطوة قضائية متقدمة تمثلت في إصدار قاضية التحقيق الأول في المحكمة العسكرية غادة أبو علوان مذكرتي توقيف وجاهيتين بحق مقاتلَين من “حزب الله”، بعد التحقيق معهما وادّعاء النيابة العامة العسكرية عليهما بموجب المادة 288 من قانون العقوبات بجناية. جاء ذلك بعد العثور معهما على 21 صاروخ غراد، و8 رشاشات، و3000 طلقة. وتم تحويل الموقوفين إلى المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة العميد وسيم فياض لمحاكمتهما.
أما على الصعيد الميداني وفيما سجل احتدام كبير في وتيرة الغارات والعمليات الميدانية جنوباً، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن “خط الدفاع الأمامي سيمتد حتى نهر الليطاني”، موضحا “أن الحكومة اللبنانية لم تفعل شيئاً لنزع سلاح حزب الله”. أضاف: “فجّرنا الجسور التي يستخدمها حزب الله على نهر الليطاني”، وتوعّد بسيطرة الجيش الإسرائيلي على الجسور التي لم يدمرها على نهر الليطاني، وعلى “منطقة أمنية عازلة” داخل الأراضي اللبنانية. وأكد كاتس أن “لا عودة إلى جنوب الليطاني إلا بعد ضمان أمن سكان الشمال”. من جانبه، كتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على منصة “أكس”: “حزب الله تحت القصف وسيتعرض للمزيد والقادم أعظم. لحظة ندم ستأتي بعد فوات الأوان، حين يدرك المقامر الأصفر أن الثمن لم يكن مجرد جولة، بل مصيرًا أسود تحت وطأة قرار لم يقرأ العواقب”.
وغداة ليلة عنيفة تجدّد فيها القصف على الضاحية الجنوبية ووصل إلى بشامون والبقاع، استمر التصعيد الإسرائيلي أمس. وفي إطار عمليات عزل الجنوب، أعلن الجيش الإسرائيلي “أننا إستهدفنا معبرًا مركزيًا إضافيًا على نهر الليطاني كان يُستخدم من قبل عناصر حزب الله”. أيضاً، وعلى وقع انذارات لقرى الجنوب بالإخلاء، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات استهدفت محطات “الأمانة” في الرشيدية، والبرغلية، وديرانطار، وعلى جادة الرئيس بري، وعلى طريق شوكين مقابل مفرق نادي الشقيف في النبطية. واستهدف محطة للأمانة في كفرتبنيت.
انزلاق استراتيجي: معركة صواريخ فوق كسروان “الدولة” تطرد السفير الإيراني… وعون: لا حرب اهلية .









