الفارق الجوهري بين حسن نصرالله ونعيم قاسم يكمن في مسألة أساسية: الأول لم يكن يعلم، أما الثاني فكان يعلم. عندما قرّر السيد حسن نصرالله الدخول في ما سُمّي “حرب الإسناد لغزة” كانت مشكلته الأساسية أنه لم ينتظر. لم يمنح نفسه الوقت الكافي للتفكير بطبيعة العملية التي حصلت، ولا بكيفية تعاطي إسرائيل معها، ولا بحجم الرد الذي يمكن أن تذهب إليه. خلال أقل من 24 ساعة، كان قد اتخذ قراره، وهذا بحد ذاته خطأ كبير. لأن من يدخل في حرب بهذه السرعة، يعطي انطباعًا وكأنه على علم مسبق أو في حالة تنسيق وعليه ملاقاة “حماس” في الميدان، فيما كان بإمكانه ببساطة أن ينتظر أيامًا قليلة ليقرأ المشهد بشكل أفضل، خصوصًا أن الانطباع بأنه لم يكن على علم بالعملية لا توقيتًا ولا حجمًا.
لماذا لم ينتظر؟ لأنه أراد أولًا، أن يُبقي مسألة عدم التنسيق مع “حماس” ملتبسة، منسجمة مع عنوان “وحدة الساحات” الذي لطالما نظر له. وثانيًا، لم يشأ أن يظهر وكأن هناك من سبقه في ساحات “الممانعة”. وثالثًا، وجد نفسه أمام خيارات ضيقة: إما الدخول في حرب شاملة في العمق الإسرائيلي، وهو خيار انتحاري، أو عدم الرد، ما يعرّضه لاتهامات بأنه ضخم قدراته وخطابه طوال السنوات الماضية من دون أن يترجمها عند اللحظة الحاسمة.
بين هذين الخيارين، اختار خيارًا ثالثًا: الدخول في حرب مضبوطة الإيقاع. في الأيام الأولى، حاول حصر الاشتباك في مزارع شبعا وما يشبهها، في محاولة واضحة للإبقاء على المواجهة تحت السيطرة وتفادي انفلاتها. أراد أن يسجّل موقفًا، من دون أن يفتح على نفسه أبواب جحيم شامل.
لكن ما لم يكن يعلمه نصرالله، هو طبيعة التحوّل في السلوك الإسرائيلي. انطلاقًا من تجاربه السابقة، كان يتعامل مع إسرائيل على قاعدة “”الحروب المحدودة”، لكنه لم يدرك أن هذه القاعدة قد سقطت. إسرائيل، هذه المرة، كانت تتعامل مع ما جرى على أنه حدث وجودي، وأن ردّها لن يكون شبيهًا بأي رد سابق. هو نفسه كان قد قال بعد حرب تموز إنه لو كان يعلم حجم الرد لما أقدم. وفي هذه الحالة أيضًا، لم يكن يعلم أن الرد سيكون بهذا الحجم المفتوح، وحاول إبقاء المواجهة ضمن قواعد اشتباك محدودة، لكن تل أبيب هذه المرة أرادت الذهاب نحو حرب لا تنتهي إلا بتغيير جذري في الواقع الذي تواجهه، ولو لم يُعلن الإسناد، لما ردّت عليه إسرائيل.
في المقابل، ما قام به الشيخ نعيم قاسم في 2 آذار كان عن سابق تصور وتصميم ومعرفة مسبقة بالرد الإسرائيلي، ولا مجال للادعاء بعدم المعرفة، ولا وجود لأي عنصر مفاجأة. كل شيء كان واضحًا ومعروفًا: طبيعة الرد الإسرائيلي، حجمه، مداه، وكلفته البشرية والعمرانية، وكيف ستحوّل المناطق إلى ساحات خراب. ما جرى في غزة كان كافيًا ليشكّل نموذجًا عما يمكن أن تفعله إسرائيل عندما تقرر الذهاب إلى أقصى الحدود. لم يعد هناك أي غموض، ولا أي مساحة للخطأ في التقدير.
هنا يصبح الفارق واضحًا حاسمًا: ما كان يمكن اعتباره سابقًا خطأ في الحساب والتقدير، يتحوّل اليوم إلى قرار واعٍ بالنتائج. ومع ذلك، أطلق الشيخ نعيم الصواريخ. كان يعلم أن النتيجة ستكون تهجير مئات آلاف اللبنانيين، تدمير القرى، سقوط الضحايا، وتشريد الناس. كان يعلم كيف سيكون الرد، ومع ذلك اتخذ القرار.
حسن نصرالله لم يكن يعلم، أما نعيم قاسم فكان يعلم. الأول أخطأ في التقدير، أما الثاني فاتخذ قرارًا وهو مدرك تمامًا لنتائجه. وهذا ما يطرح مسألة مختلفة كليًا. لم نعد أمام خطأ يمكن تفسيره بسوء الحساب، بل أمام قرار واعٍ بقتل شعب وتدمير وطن وكل ما سيترتب عليه من موت ودمار ومآسٍ. قرار لم يأخذ في الاعتبار الناس الذين سيفقدون بيوتهم، ولا القرى التي ستُدمّر، ولا اللبنانيين الذين سيدفعون الثمن.
في المحصلة، الفارق بين الاثنين هو بين من تورّط لأنه لم يُحسن التقدير، ومن أقدم وهو يعرف تمامًا ماذا يفعل. والسؤال: هل نصرالله كان أطلق الصواريخ في 2 آذار؟
الحقيقة الوحيدة في كل هذا المشهد أن الكلفة يدفعها اللبنانيون: موت ودمار وتهجير وخراب بسبب مصادرة قرار الدولة وإلحاق لبنان بإيران. لكن، بين خطأ التسرع وقرار المعرفة، يبقى السؤال الأهم: من يحاسب؟
بين من لم يكن يعلم… ومن كان يعلم .










