لم يعُد لبنان يواجه «حرب استنزاف» عادية، بل دخل رسمياً في نفق «الغزْوَنة». وخلف الضجيج العقيم حول وقف النار أو المفاوضات أو مسودات التسوية التي لن تولَد إلّا ميِّتة، يبرز مسار إسرائيلي ينسخ حرفياً تجربة قطاع غزة: تدمير شامل، تهجير ممنهج، وسعي حثيث إلى فرض واقع سياسي جديد بقوّة السحق الميداني. لكنّ الصدمة الأكبر ليست في السلوك الإسرائيلي الذي لا خلاف عليه، بل في السلوك الانتحاري الذي ينتهجه «حزب الله»، والذي يشكّل تكراراً عبثياً لما فعلته «حماس» وأوصلها، وأوصل غزة والفلسطينيِّين معها، إلى قعر يبدو مستحيلاً أن ينهضوا منه.
تتبع إسرائيل عقيدة «الأرض المحروقة». فما يشهده الجنوب والضاحية اليوم هو تطبيق لمنهجية تحويل الأرض إلى مكان غير قابل للحياة. وفي غزة قبل ذلك، كان الهدف سحق المناطق الحاضنة لـ«حماس» شعبياً، بهدف إخراجها من معادلة التأثير. وفي لبنان، تتبع إسرائيل التكتيك إياه عبر جعل الكلفة التي تجعل «البيئة الحاضنة» لـ«حزب الله» عبئاً مستحيلاً.
المصير الميداني لـ«الحزب» بات اليوم مرآة لمصير «حماس». وكما رفضت إسرائيل كل الحلول الوسط في غزة ليتاح لها أن تحقق سيطرتها الأمنية المطلقة، يبدو أنّها قرّرت عدم الركون إلى وقف النار في لبنان، إلّا بعد تحويل جنوبه إلى «المنطقة العازلة» التي ربما يسهل لاحقاً قضمها جغرافياً وأمنياً، وسط إرباك دولي وعربي ولبناني كامل.
النقطة الأكثر إثارة للذهول في هذه المقارنة هي «الوعي الانتحاري» هنا وهناك. فقد اندفعت «حماس» نحو عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول 2023، وهي تدرك حجم الردّ الإسرائيلي المتوقع. لكنّها استمرّت في القتال وسط ركام غزة، وهي على يقين أنّ القطاع سيُباد. واليوم، يكرّر «حزب الله» السلوك عينه. فهو يندفع في مواجهة يعلم أنّها ستقود حتماً إلى دمار بيئته وتفكيك قدراته العسكرية، ومع ذلك يستمر في نهج شمشون «عليّ وعلى أعدائي». هذا السلوك يتجاوز العقلانية السياسية. ولا يمكن تفسيره بالمنطق، لأنّه على الأرجح مبني على منطلقات العقيدة الدينية التي لا يمكن للعقل السياسي المبني على البراغماتية أن يقبلها. فـ«الحزب» متيقن بأنّه مقبِل على الكارثة، ومع ذلك يصرّ على بلوغها.
لم تنجح «وحدة الساحات» مع طهران اليوم، بعد غزة بالأمس، إلّا في توحيد «سيناريوهات الهلاك». و«الحزب» يرى بأمّ العين كيف تُمسح غزة عن الخريطة، كما يرى أنّ الجنوب يلحق بها، ومع ذلك هو يرفض أي مخرج سياسي ينقذ ما تبقّى. وهو يفضّل الانتحار على ركام الضاحية والقرى، على الاعتراف بأنّ قطار المحور الذي ينخرط فيه قد خرج عن سكّته ودخل في حائط الدمار الشامل.
في غزة، تسعى إسرائيل إلى فرض مستقبل لا وجود فيه لـ«حماس». وفي لبنان، بدأت تظهر ملامح مستقبل يُراد رسمه بالقوّة: دولةٌ يذوب قرارها في الإرادة المرسومة للإقليم، وجغرافيا جنوبية تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وربما السياسية والاقتصادية لاحقاً. وأمّا عودة الأهالي – إلى الركام – فتبدو أمراً مشكوكاً فيه. وفي الواقع، سيكون أهل الجنوب هم الرهينة التي تستعملها إسرائيل لفرض خياراتها على «الحزب» ولبنان.
يتعرّض لبنان لجراحة قيصرية في جسده المجتمعي، وفيها يُستخدم التهجير أداة لكسر الإرادة، بتحويل النازحين ورقة ضغط مريرة. والخطورة تكمن في أنّ الدولة اللبنانية، التي تأخّرت في فصل مصيرها عن مصير «الساحات»، تُعامَل اليوم كشريك في «غزة ثانية»، لا كدولة ذات سيادة.
إنّه زمن الحقيقة. زمن المناورات الكلامية ولّى. لبنان يُساق نحو «قدر غزّاوي» يُرسم بالحديد والنار، وسط سلوك قيادي يختار الانتحار الواعي على التراجع المنقذ. وإذا لم يدرك ذوو الشأن أنّ التوغل الإسرائيلي الهادئ والقضم الجغرافي هما المدخل إلى «نخر» الكيان بالسوس، فسيستيقظ لبنان يوماً على «اتفاق مسخ» يُوقّع فوق مقبرة كبيرة كانت تسمّى يوماً «جنوب لبنان».
انتهى زمن الكلام: فإمّا استعادة زمام المبادرة السيادية فوراً وإيقاف هذا المسار الانتحاري، وإمّا القبول بـ«لبنان مبتور»، لا يعرف أي اتجاه يسلكه في المستقبل. هذا اللبنان الذي سيضيع في غبار حرب كان الجميع يرى كارثيّتها، ومع ذلك اختاروا السَير نحوها بملء إرادتهم أو انكفأوا عن الاضطلاع بأدوارهم الإنقاذية.
على طريق غزة: خيارُ الانتحار! .








