يدرِك رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون جيدًا أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، برعاية دولية، هي “الممر الإلزامي” لأنهاء هذه الحرب التي وصفها رئيس الحكومة نواف سلام بـ “مغامرة الإسناد الجديدة التي لم نجنِ منها سوى مزيد من الضحايا والتهجير”.
ويُدرِك أي طالب في السنة الجامعية الأولى في اختصاص العلاقات الدولية، أن المفاوضات ستكون في نهاية المطاف مباشرة، وأن المفاوضين يجب أن يكونوا محط ثقة من الجهة التي يفاوضون باسمها، ومحط قبول من الجهة التي سيتم التفاوض معها، ومن الراعي الدولي بالتأكيد.
رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يُدرِك هذه الوقائع، ويعرف تمامًا ماذا ينتظر لبنان، وما مرَّ به لبنان في مراحل التفاوض مع إسرائيل، يعرف مسار المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق 17 أيار والانقسام حياله، ويعرف أن الانقسام يفجِّر البلد، لكن في نهاية المطاف لا بد من التفاوض “وإنْ طال الزمن”.
يريد وفدًا منسجمًا حائزًا على موافقة الجميع، تحاشيًا للتفلت من أي التزام سيتحقق، وقطعًا للطريق على أي مزايدة لأن لبنان اعتاد على مَن “يريدون الغُنْم من دون الغُرم”.
صحيح أن الدستور ناط توقيع المعاهدات برئيس الجمهورية، لكن لبنان لا يستطيع الذهاب إلى مفاوضات من دون وفدٍ يمثل المكوِّنات الرئيسة في البلد، على سبيل المثال، يختار رئيس الحكومة الممثل السني لئلا يقع الرئيس نواف سلام في المأزق الذي وقع فيه الرئيس شفيق الوزان، صاحب القامة والقماشة الوطنية، والممثل الشيعي إلى المفاوضات يجب أن يسميه الرئيس نبيه بري الذي لا يسير شيء في البلد إلا بعد أن يضع “خَتْمَه” عليه بصفته “الضلع الثالث” بحكم الأمر الواقع، ما كان لاتفاق 27 تشرين الثاني 2024 أن يمشي لولا موافقة الرئيس بري عليه.
المفاوضات الآتية تستدعي اتخاذ القرار الكبير من “الأخ الأكبر”، ومسؤوليته أن يناقش الأمر مع “الأخ الأصغر” الشيخ نعيم قاسم، والطائفة الشيعية تزخر برجالات كبار لا يفرِّطون بالثوابت الوطنية.
وبصريح العبارة، وبما يشبه النداء، لماذا لا يُقدِم الرئيس نبيه بري؟ ولماذا لا ينفي سردية أنه ينتظر كيف ستميل الدفة ليتخذ القرار وفق ما تميل؟ أليس بالإمكان الخروج من المفاوضات عند أي استشعار بالضغط على لبنان للتنازل؟ وعندها ينسحب الجميع لا ممثل مكوِّن واحد”.
وهناك نقطة يجب التنبه إليها جيدًا: ليس من مكوِّن أكثر وطنية من مكوِّن آخر في البلد، وليس ما يرفضه مكوِّن يمكن أن يوافق عليه مكون آخر، وحتى لو تفرد مكوِّن بالموافقة، فإن هذه الموافقة لا تسلك طريقها إلى التنفيذ ، ولنا في اتفاق 17 أيار العبرة الكبرى، وحتى اتفاقية القاهرة عام 1969 بقيت موضع تشكيك على رغم أنها سلكت كل مساراتها الدستورية والشرعية.
تشكيل الوفد اللبناني يحتاج إلى سرعة وجرأة وقرار، والوقت لا يعمل لمصلحة لبنان، لأن بديل التفاوض هو المزيد من الدمار وزهق الأرواح.
لا خيار أمام لبنان سوى التفاوض، ولا خيار أمام المكونات اللبنانية سوى تشكيل وفد مفاوِض بالسرعة الضرورية التي وحدها توقف سرعة الصاروخ أو الغارة، ووقف مجزرة بنك الأهداف.
خط سير المفاوضات من لبنان عالق عند “محطة” عين التينة .









