فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم، عندما أعلن بأسلوبه الصادم ومن دون مقدّمات، بأنّ الحرب مع إيران شارفت على الإنتهاء. صحيح أنّ هذا الإعلان جعل أسعار النفط تهوي بعد صعود مثير على وقع الحرب الدائرة، لكنّ اللافت أنّ هذه الأسعار لم تعاود صعودها الصاروخي الذي كان حاصلاً. ما يعني أنّ ثمة أموراً تحصل في الكواليس التفاوضية وعلى وقع انفجار القنابل العملاقة وتطاير الصواريخ في أرجاء الشرق الأوسط. وتشير بعض المعلومات، إلى أنّ تواصلاً أميركياً-إيرانياً حصل عبر طرف ثالث، للبحث في تفاهمات تُنهي الحرب.
لكنّ هذه الأجواء الواعدة سرعان ما تبدّدت في ظل مؤشرات حربية وتصعيدية من قِبل طرفَي الحرب. فواشنطن دفعت بطائراتها الشبحية الـB1 والـB2 مع قنابلها الضخمة إلى ساحة المعركة، وطهران عمدت إلى البدء بتلغيم مياه مضيق هرمز، وهو ما اعتُبر اندفاعاً في المواجهة أكثر منه تفاوضاً تحت النار. والإنطباع الأولي الذي ساد، أشار إلى وجود رأيَين داخل أروقة السلطة الإيرانية، وهو ما ظهر في أكثر من مناسبة. الرأي الأول، وهو الذي يتكوّن من الطاقم السياسي، وعلى رأسه الرئيس مسعود بزشكيان. وكان الرئيس الإيراني قد أعلن جهاراً قبل أيام، وقف استهداف الدول الخليجية «الشقيقة» وأرفق ذلك باعتذار، لكنّ قراره خُرِقَ بعد ساعتَين فقط. وهو ما أظهر بأنّ الرأي الثاني، الذي يتكوّن بشكل أساسي من القيادة العسكرية للحرس الثوري، هو الذي يمسك بقرار الحرب، وهو يرفض سلوك أي مسارات تفاوضية أو مرنة. وهو مَن دفع باتجاه انتخاب مجتبى خامنئي لموقع القيادة، في سياق توجيه رسالتَين: الأولى بأنّ النظام لا يزال متماسكاً، والثانية بأنّ خيار القيادة الإيرانية هو التشدُّد والتمسّك باستراتيجية خامنئي الأب.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تأجيل الزيارة التي كان حُكِيَ عنها لموفد الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف إلى إسرائيل الأسبوع المقبل. فحصول هذه الزيارة كان سيعني وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في آخر ما جرى التوصّل إليه في كواليس التفاوض مع إيران. مع العلم أنّ واشنطن أبدت التزامها بفصل لبنان عن أي تسوية من المحتمل أن تحصل مع إيران، ومنح نتنياهو الضوء الأخضر الأميركي لإنجاز «المهمّة المطلوبة في لبنان».
ومن البديهي أن تكون قيادة الحرس الثوري تركّز خطواتها حول كيفية تشديد الخناق على تصدير النفط، وهي تراقب في الوقت عينه بدء ظهور التململ لدى شعوب العالم الغربي، وعلى أمل أن يتحوّل ذلك إلى حركة ضاغطة لدفع الحكومة الأميركية للتراجع عن الحرب القائمة، وهو ما سيمنح طهران انتصاراً من دون دفع أثمان سياسية. وفي هذا السياق، باشرت إيران بزرع ألغام بحرية في مضيق هرمز، الذي يمر عبره أكثر من خُمس تجارة النفط العالمية. صحيح أنّ زرع الألغام لا يزال محدوداً ويقتصر حتى الآن على عشرات الألغام فقط، لكنّه يعطي إشارة حول استعداد طهران لتوسيع عملياتها في المضيق إذا تصاعد التوتر العسكري، خصوصاً أنّ المصادر الأميركية تعتقد بأنّ إيران لا تزال تحتفظ بعدد كافٍ من الزوارق السريعة.
لكنّ إسقاط خيار التسوية السياسية لن يدفع ترامب إلى التراجع، فهو غير قادر على العودة إلى الوراء. في الأوساط الديبلوماسية انطباع بأنّ الحرب ليست حرب واشنطن بل إنّ إسرائيل جرّتها إليها. لكن على رغم من ذلك، فإنّ ترامب أصبح يقف وسط النار، وهو الذي يشعر بأنّه مطوّق بمشاكل وتحدّيات داخلية كثيرة في سنة انتخابية حاسمة ومصيرية. وهنالك مَن يشجّع ترامب على الذهاب إلى عملية برية محدودة، قادرة على منحه أوراقاً سياسية ثمينة. فالنظام ما زال متماسكاً وسط إحجام المعارضة الداخلية عن القيام بأي تحرُّك على الأرض، رغم المساحات الفارغة التي تولّدت عقب تصفية قيادات الصف الأول. مع العلم أنّ بداية تحرّك مسلح بدأ في طهران أمس، ما قد ينبئ باحتمال تفعيل هذا المسار الداخلي، وهو ما يفسّر تفاؤل الرئيس ترامب. وكان لافتاً ما قاله عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال، عقب مشاركته في إحاطة سرّية عقدتها اللجنة يوم الثلاثاء الماضي. فهو أعرب عن عدم رضاه وغضبه لأنّ البيت الأبيض في طريقه إلى نشر قوات أميركية برية داخل إيران. وأضاف: «يبدو أنّنا نسير في مسار يقود إلى نشر قوات أميركية على الأرض، بهدف تحقيق بعض الأهداف المحتملة».
ووفق السياق نفسه، تقرأ الأوساط الدولية دفع لبنان في هذا التوقيت إلى أتون النار. فهي تعتقد أنّ القيادة العسكرية للحرس الثوري هي مَن تولّى دفع «حزب الله» باتجاه فتح الجبهة اللبنانية، من خلال إطلاق الصواريخ من الصرفند، وتبنّي مسؤولية ذلك من خلال بيان رسمي. وتعترف هذه الأوساط بأنّ إسرائيل كانت قد جهّزت الملف الحربي على لبنان منذ أشهر عدة، لكنّها كانت تفضّل توقيتاً آخر للتفرُّغ عسكرياً للجبهة الإيرانية. إلّا أنّه كان لقيادة الحرس الثوري رأي آخر، يقضي بفتح الجبهة اللبنانية الآن، بهدف إشغال إسرائيل ولو بنسبة معيّنة، بجبهة أخرى، ومنعها من التركيز الكامل على إيران. لكنّ فتح الجبهة اللبنانية حشر الدولة اللبنانية ووضعها في موقع صعب، وفي الوقت عينه جعل نتنياهو يأخذ لبنان إلى واقع الإستنزاف قبل الذهاب إلى الحرب المفتوحة، بانتظار جلاء النتائج على الجبهة الإيرانية. لكنّ هذا المنحى المتفجّر أشاح بورقة التين التي كانت تتلطّى خلفها السلطة اللبنانية. لا بل هو كشف الجيش وجعله بين نارَين: نار الميدان ونار التشكيك الأميركي. وعملت إسرائيل على رفع منسوب التشكيك بالخطوات التي نفّذها الجيش. وهي أظهرت أنّ قدرة «حزب الله» القتالية لا تزال موجودة جنوب الليطاني، وكذلك قيامه بإطلاق عدد من الصواريخ. وعندما أطلق رئيس الجمهورية مبادرته أملاً بتحريك المياه الراكدة مع واشنطن، بدا أنّ البرودة بقِيَت هي السائدة. وجرى توسيط عواصم عدة من منطلق أنّ لبنان يتعهّد بتطبيق البند الثالث من مبادرة رئيس الجمهورية في مدة أقصاها أربعة أشهر، لكن من دون حصول أي تجاوب. لا بل فإنّ الجواب الذي أعطاه الموفد الرئاسي توم برّاك جاء سلبياً وفظاً ومشكِّكاً بجدّية التزام لبنان بوعوده، قياساً على عدة محطات سابقة. وترافق ذلك مع هجوم طال قائد الجيش العماد رودولف هيكل. وتنقل الأوساط الديبلوماسية بأنّ باريس، التي كانت فشلت في تسويق «أفكار» الرئيس إيمانويل ماكرون لدفع إسرائيل لوقف إطلاق النار، سعت بقوّة لدى واشنطن لتجنيب أي اهتزازات قد تطال الجيش اللبناني، كون ذلك سينعكس سلباً على الإستقرار الداخلي الهش، الذي باتت تهدّده تحدّيات الحرب والتهجير وما ينتج من ذلك من احتكاكات خطيرة قد تودي بلبنان إلى أتون الفوضى الداخلية. وبالتالي، ترك أي نقاش للمرحلة اللاحقة بعد انتهاء حال الحرب.
في الواقع، فإنّ الجيش اللبناني وبعد انفجار الوضع، قام بإعادة نشر قواته جنوب خط الليطاني بما يتناسب مع المستجدات الحربية. أي إنّه سحب جنوده من كافة النقاط التي كانت منتشرة في كافة أرجاء المنطقة، وأعاد تمركزها في الثكنات وقيادة الكتائب والمواقع الأساسية في مرجعيون وصور وغيرها. في هذا الوقت تسرّبت عناصر «حزب الله» إلى القرى الأمامية، فيما عزّزت إسرائيل من حشودها العسكرية التي اتخذت طابع الحشد الهجومي، وهو ما أوحى بأنّ الهجوم البري الإسرائيلي ينتظر تحديد ساعة الصفر. وثمة تقديرات ديبلوماسية غربية بأنّ إسرائيل ستتحرّك في لبنان حال تراجع مستوى العمليات العسكرية في إيران، وأنّها تتحضّر لهجوم على محورَين، الأول عبر الجبهة الحدودية، والثاني عبر الحدود السورية لجهة البقاع الغربي وصولاً إلى المصنع. وبذلك تتخذ القوات الإسرائيلية وضعية الكماشة للمناطق التي كانت مصنّفة من ضمن المرحلة الثانية لخطة الجيش، ويتردد أنّها تحتضن البُنية التحتية القتالية الأساسية لـ»حزب الله».
وفي هذا الوقت، بدأ التوتر عند الحدود اللبنانية-السورية لجهة الهرمل بين القوات السورية و»حزب الله». وكان قد سُجِّل تزايد حشود المجموعات المقاتلة تحت كنف دمشق من شيشان وأوزباك وغيرهم. ومع حصول الإنزال الإسرائيلي جرى لاحقاً قصف منطقة سرغايا داخل سوريا، على اعتبار أنّها أمّنت المساعدة اللوجستية للإنزال الإسرائيلي. لكن للدوائر الغربية قراءة أخرى تشير فيها إلى أنّ «حزب الله» تعمّد تصعيد الموقف عسكرياً مع القوات السورية من خلال استهداف سرغايا، بهدف التشويش على أي مسعى لفتح جبهة الحدود لجهة البقاع الغربي، والحؤول دون الإلتفاف على الجنوب. مع الإشارة هنا إلى نقطة الرصد العسكرية التي أنشأتها إسرائيل عند جبل الشيخ، ما يسمح لها بالإشراف على كافة أرجاء البقاع الغربي والجنوب. ومع التذكير هنا بالكلام الذي أطلقه الرئيس الإسرائيلي، بأنّ «حزب الله» لا يعرف ماذا ينتظره. كما أنّ الرئيس الأميركي قال بالأمس، إنّه «علينا أن نتخلّص من «حزب الله» الذي كان كارثة لفترة طويلة». وقد تصبح الخشية في حال اندلاع الحرب البرية عند جبهتَي الجنوب والبقاع الغربي، وانضمام جبهة الهرمل إليهما في حال تطوّرت الإحتكاكات الحاصلة وسط الحشود المريبة.
والجيش اللبناني المحشور جنوباً والقلق لناحية الحدود مع سوريا لجهة الهرمل وما يمكن أن يحصل، يعمل على تبريد المخاطر التي استجدّت عند حدود البقاع الشمالي. وفي الوقت نفسه يعمل على ضبط الإحتكاكات اللامسؤولة التي تحصل في الداخل اللبناني، وسط هذه الفوضى التي أرادتها إسرائيل من خلال تهجير أبناء الجنوب والضاحية إلى الداخل اللبناني، حيث الفسيفساء الطائفية الشديدة الحساسية. مع الإشارة هنا إلى أنّ التنسيق الأمني الذي كان قائماً ما بين قيادة الجيش وقيادة «حزب الله» ما زال مقطوعاً ومنذ أكثر من ثلاثة أشهر. كما أنّ التنسيق المحلّي الذي كان قائماً على مستوى المناطق بين الجيش و»حزب الله» تراجع إلى أدنى مستوياته وأصبح ضعيفاً جداً. أمّا على مستوى علاقة اليرزة بالأميركيِّين، فهي أيضاً شهدت تراجعاً، وباتت مقتصرة على المستوى التقني الضيّق، بعدما كانت موصوفة بأفقها المفتوح.
قد لا يكون دقيقاً الإعتقاد بأنّ الفرج على الجبهة الإيرانية سينعكس بالمثل على الساحة اللبنانية، لا بل تبدو الصورة معكوسة تماماً.
ثلاث جبهات: الجنوب والبقاعَان الغربي والشمالي .










