إن استمرار “الآخرين”، من قوى شيعية وغير شيعية، في التزام حالة الانتظار لما ستُسفر عنه الموازين الإقليميّة هو مقامرة. واللحظة الراهنة تفرض في الدرجة الأولى على القيادة السياسية الشّيعية الرسمية، متمثلةً بالرئيس نبيه بري، المبادرة إلى كسر حلْقة الجمود وإطلاق الموقف الواضح والحاسم.
قد لا يُدرك المغامرون اليوم في أي منزلق هم يسقطون، ويأخذون معهم الشّيعة ولبنان. فالحرب التي فتحوها، على قياس إيران، سترتدّ أذية شديدة وبأكلاف باهظة على لبنان وشيعته. إنّها لا تشبه الحروب السابقة في جوهرها، وهي أخطر منها بكثير، إذ تُهدّد الفكرة اللبنانية في عمقها الميثاقي. وعلى هؤلاء المغامرين أن يتذكّروا أنّ لبنان الذي نعرفه اليوم بحدوده المعاصرة، لم يكن مجرّد صدفة جغرافية، بل كان نتاج تلاقٍ تاريخيٍّ بين جبل لبنان وجبل عامل والأطراف ساحلًا وشمالًا وبقاعًا. وهذا التلاقي يتعرّض اليوم لضغطٍ داخليٍّ وخارجيٍّ شديدٍ، قد يهدّد استمراره.
قبل قرن من الزمن، لم يكن دخول جبل عامل في التركيبة التي صنعت لبنان الكبير مجرّد التحاقٍ إداريٍّ، بل كان خيارًا استراتيجيًّا للنّخب العاملية آنذاك. فهي رأت في الكيان اللبناني المولود ضمانةً للتعدّدية والاعتراف السياسي، هي التي تشعر أيضًا بالحاجة إلى الأمان في هذا المشرق. والتفاعل اللبناني نجح في تحويل “العاملية” من هوية ريفية منغلقة إلى جزء أصيل من النسيج المدني في بيروت والمدن الكبرى.
اليوم، عندما يتعرّض جبل عامل لعملية تهجير قسري واسعة، لا يمكن الحديث عن مجرّد نزوح سكاني. فما يجري هو عملية “بتر جيوسياسي” يهدّد بفصل الرئة الجنوبية عن جسد الدولة. وهو ما يضع الصّيغة اللبنانية برمّتها في مهبّ الريح. فالأرقام الرّسمية تكشف أن عدد النازحين في مراكز الإيواء تجاوز الـ760 ألفًا، حتّى الآن، غالبيّتهم العظمى من شيعة جبل عامل والضاحية الجنوبية. وهذا الانزياح الدّيموغرافي الضخم نحو المناطق الأخرى، ذات الغالبية السنّية والمسيحية والدرزية، من دون أفق سياسي أو زمني للعودة، يضع العقد الاجتماعي اللبناني أمام اختبار غير مسبوق.
واللّافت، خلافًا للحروب السابقة، أن هناك جوًّا من الحذر في هذه المناطق تجاه النازحين. فالبلديات بدت أكثر حرصًا على ضبط العملية، فيما تقوم إسرائيل بتوجيه الإنذارات الواضحة والجدّية بأنّها لن تتورّع عن ضرب أي تواصل بين جماعات النازحين و”حزب الله”، داخل المناطق المُضيفة، وستنفّذ عمليات اغتيال دقيقة تستهدف النّازحين ولو كانوا وسط بيئاتهم الجديدة. وهذه العمليات ستؤدّي إلى وقوع خسائر جسيمة في هذه البيئات المُضيفة، المسيحية والسنّية والدرزية، كما حصل مرارًا، والتجربة الأخيرة كانت في القليعة. وفي الواقع، هذا يؤدّي إلى رفع منسوب التردّد في استقبال النازحين، وإلى جعل البيئة المُضيفة خائفة على نفسها وطاردة لهم. وهذا الضغط النفسي والأمني يخلق فجواتٍ تواصليّةً ويهدّد بنشوء عوازل اجتماعية قد تتحوّل، إذا طال أمد الأزمة، إلى شروخ سياسية يصعب ردمها.
المسؤولية عن هذا كلّه تقع طبعًا على الذين اختاروا دفع البلد إلى هذه المغامرة المجّانية، لكنّ مسؤولية “الآخرين” في لبنان هي أن يتجاوزوا عقدة “الانتظار الاستراتيجي” التي كبّلت البلد طوال سنوات. ففي علْم السياسة، القوة التي لا تُصرف في لحظة الخطر الوجودي تتحوّل عبئًا على صاحبها. والمكوّن الشيعي اللبناني، الذي استثمر لعقودٍ في بناء نفوذه داخل مؤسّسات الدولة وخارجها، يجد نفسه اليوم أمام مفارقة “الادّخار القاتل”. وصمت القوى الشيعية الأخرى، أي حركة “أمل” تحديدًا، والتردّد في اتخاذ موقف سياسي حاسم يتناسب مع حجم الكارثة يشبه تمامًا رجلًا خبأ قرشه الأبيض إلى يومه الأسود. وعندما جاع، بقي يرفض صرفه، فمات، واستولى الجيران على مدّخراته وتنعّموا بها.
إن استمرار “الآخرين”، من قوى شيعية وغير شيعية، في التزام حالة الانتظار لما ستسفر عنه الموازين الإقليميّة هو مقامرة. واللحظة الراهنة تفرض في الدرجة الأولى على القيادة السياسية الشّيعية الرسمية، متمثلةً بالرئيس نبيه بري، المبادرة إلى كسر حلْقة الجمود وإطلاق الموقف الواضح والحاسم، الذي لا يكون بمثابة إعلان عن هزيمة، لكنّه يحطم “السحر القديم” المدمّر. وثمة ثلاثة اقتناعات يمكن البناء عليها لإطلاق المبادرة الإنقاذية، من شأنها أن تمنع الانزلاق نحو تحلّل الكيان أو نشوب توتّرات أهلية:
1 – إن ضمانة عودة النازحين إلى قراهم في جبل عامل لا تمرّ عبر صفقات إقليمية غامضة، تنتظرها مطابخ إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بل عبر مظلّة الدولة اللبنانية.
2 – إن “حزب الله”، كقوة عسكرية، يجب أن يدرك أنّ عمقه الاستراتيجي الحقيقي ليس في طهران، بل في احتضان المكوّنات اللبنانية الأخرى له كشريك في الدولة، لا كعبء عليها.
3- إن الإنقاذ ليس ممكنًا إلّا بتنازل “الحزب” عن كل امتيازاته غير المبرّرة وفائض القوة، ودخوله المؤسّسات والمشاركة بناء دولة العدالة والقانون، على قدم المساواة مع كل الفئات الأخرى.
إنّها فرصة جديدة، على الرغم من أنها متأخرة كثيرًا، لمواجهة مخاطر تفكّك لبنان إلى جزر سكانية معزولة وخائفة، والسياسة الحكيمة هي التي تحوّل هذه اللحظة العصيبة إلى “لحظة ميثاقية”. فهل يتمّ صرف “القرش الأبيض” السياسي الآن لإنقاذ ما يمكن قبل فوات الأوان؟!
عندما ينزح جبل عامل… وينزاح! .








