ما بين “العزلة” الدولية و”الانقسام” الداخلي…من يدفع الثمن!؟

ما يزيد على انعكاسات العزلة الدولية وتعثر مبادرة ماكرون، ارتفعت المخاوف من رفض بري لمبادرة عون والنتائج المترتبة عليها دوليا. وعليه طرح السؤال: هل يتسع لبنان لجزء من ابنائه ان توسعت رقعة التهجير القسري؟

مع توالي موجات التهديد الإسرائيلية بالإخلاء القسري لمناطق الضاحية وشمال وجنوب مجرى الليطاني، تتزايد المخاوف من تطوُّرات خطيرة قد تزيد من حجم المأساة التي استُدرِجت إليها البيئة اللصيقة بالحزب، من خراب ودمار وتهجير، عدا عن عدّاد الشهداء والجرحى، وانعكاسات ما يجري على البلاد بأكملها. وما يزيد في الطين بلّة، حجم العزلة الدولية والانقسام الداخلي، بعدما عبّر رئيس مجلس النواب عن رفضه خطة رئيس الجمهورية، وتحديداً ما يتصل بالاستعداد للمفاوضات. وعليه، ما الذي يعزّز هذه المخاوف ومَن سيدفع الثمن؟

تزامناً مع غياب أي مبادرة تضع حداً للحرب الأميركية – الإسرائيلية القائمة على إيران منذ 28 شباط الماضي، وما انتهت إليه حتى اليوم من تصعيد توسعت رقعته على مساحة المنطقة الممتدة من شرق المتوسط إلى العمق الإيراني وحدودها مع تركيا وأذربيجان، وجنوباً لتشمل دول مجلس التعاون الخليجي وما يحيطها من مضائق وبحور ومحيطات، يفتقد لبنان أيضاً الرعاية الدولية، بعدما اصطدمت بعض المبادرات الخارجية، ولا سيما الفرنسية منها، بعوائق أنهت مفاعيلها قبل أن يجفّ حبرها، ومثلها أي مبادرة مماثلة قابلة للحياة. ومنها كما تلك التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بعناوينها الأربعة، في المؤتمر الذي دعت إليه رئاسة الاتحاد الأوروبي وبعض دول المتوسط من بينها لبنان وسوريا ومصر والأردن.

وانطلاقاً من تبخّر ما كان منتظراً من كل هذا الحراك، وأياً كانت الأسباب التي أدّت إلى غياب المبادرات الدولية التي اعتاد عليها اللبنانيّون، سواء من أشقائه العرب والدوليِّين، بقي الرهان ضعيفاً على الحراك الذي تقوم به ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في بيروت السيدة جينين هينيس- بلاسخارت، وحصيلة مشاوراتها التي أجرتها في تل أبيب مع المسؤولين الإسرائيليِّين، ثَبُتَ أنّ هناك أكثر من عقدة داخلية تعيق أي تفاهم ممكن، ولا سيما تلك الناجمة عن تصلّب “حزب الله” تجاه كل ما هو مطروح في الداخل، والذي على ما يبدو انضمّ إليه رئيس مجلس النواب نبيه بري في رفضه لبعض ما جاء في مبادرة رئيس الجمهورية، بطريقة لم يعُد يرقى إليها أي شك.

وعلى هذه الخلفيات تعمّقت مراجع سياسية وديبلوماسية عربية وأجنبية في قراءتها لما يمكن أن تشهده الحرب في لبنان وعليه، بما لديها من معطيات تقود إلى مزيد من السلبية، وربما أدّت إلى مزيد من التصعيد الذي لن يوفّر سوى المنشآت الحيوية كالمطار والمرفأ والمنشآت الحيوية المتصلة بالطاقة والمياه، على رغم من فقدان نسبة 70% من خدماتها إلى المواطنين. وهي عملية أثارت الذعر لدى كثيرين ممَّن يتعاطون بالمخارج والحلول المقترحة، لتزيد قناعتهم بأنّ الأمور متروكة على عواهنها، ولن يكون هناك أي تدخّل يَعِد اللبنانيِّين بإمكان وقف التصعيد وموجات التدمير وما استتبعته من مخاطر النزوح والهجرة الداخلية، التي وضعت للمرّة الأولى مئات الآلاف من اللبنانيِّين خارج مدنهم وقراهم ومنازلهم ليعيشوا في ظروف هي الأسوأ حتى اليوم، سواء على أرصفة الطرق أو في المدارس والمؤسسات التي تحوّلت مراكز إيواء، في ظل فقدان أبسط حاجياتهم.

وفي هذه الأجواء، تبادلت المراجع الديبلوماسية رأياً لأحد سفراء الدول الكبرى في لبنان، الذي عمد إلى إبلاغ أصدقائه من اللبنانيِّين ونظرائه العرب والأجانب، المزيد من المعلومات الخطيرة التي تتحدّث عن موجات تصعيد جديدة استدرجها “حزب الله” على لبنان، ووضع الجميع من المسؤولين اللبنانيِّين والوسطاء المحتملين، أمام خيارات صعبة للغاية، لا يمكن تقدير العقبات التي تحول دون أي تحرُّك أو موقف مفيد في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها دول صديقة للبنان اعتادت مدّ يد العون، وصولاً إلى المؤسسات المتردّدة في تقديم ما كانت تقدّمه من مساعدات دفعت برئيسَي الجمهورية والحكومة إلى استعطاء المجتمع الدولي لمواجهة آثار النزوح ومخاطره الاجتماعية والإنسانية، قبل أن يتحوّل إلى مأساة أمنية متى تفاقمت الأمور وزادت عمليات التحريض الجارية من مخاطر استغلال انتشارهم في بيئات لا يمكنها أن تجاري عقائدهم وعاداتهم، في ظل أجواء التحشيد التي يعزّزها التصعيد السياسي والمواقف التحريضية الصادرة من أكثر من جهة مختلفة.

وعلى رغم من الوعد بإمكان تقديم يد العون، فقد تبلّغت هيئات إنسانية واجتماعية صعوبة الحصول على مساعدات إضافية غير تلك المتوفّرة بحدّها الأدنى، وهو ما يُلقي على الحكومة مسؤولية أكبر في تحاشيها لأي انفجار اجتماعي يمكن أن تقود إليه موجات نزوح جديدة إن تعمّقت جنوباً، وربما شملت مناطق لم تصل إليها التهديدات من قبل. ونُقل عن مسؤول كبير مخاوفه من أنّ تشكّل موجات التهجير المدن الجنوبية الساحلية، ولا سيما صور، بالنظر إلى ما تجمعه من مهجّري القرى الجنوبية المدمّرة، وما باتت تحويه من كثافة سكانية قد تضيق بها، في وقت افتقدت قدرات الاستيعاب في مناطق بيروت وجبل لبنان، وعدم القدرة على الإفادة من قدرات المدن والقرى البقاعية التي أتخمت المناطق الآمنة منها، بسكان جاراتها المستهدفة، التي تشكّل بيئة الحزب المعرّضة للغارات التدميرية يومياً.

وختاماً، لا تتردّد المراجع الديبلوماسية في التعبير عن قلقها من ردّات الفعل الداخلية على مستوى أهل السلطة، التي رفضت مبادرة رئيس الجمهورية التي حظِيَت برضى رئيس الحكومة والقيادات الحزبية والسياسية اللبنانية باستثناء “الثنائي الشيعي”، بعد أن سقط الرهان على موقف مؤيّد من قبل رئيس مجلس النواب، وهو أمر سيدفع ثمنه كل لبنان. وعندها تزداد القناعة بالانتقال من مرحلة الشك إلى مرحلة اليقين، بأنّ ما وراء إعلان الحرب من لبنان ما يترجمه المثل القائل: “عليّ وعلى أعدائي يا ربّ”.

ما بين “العزلة” الدولية و”الانقسام” الداخلي…من يدفع الثمن!؟ .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...