بايجر وأوراق لـ “قوة الرضوان” في عين الرمانة

شهدت منطقة عين الرمانة حادثة أمنية خطيرة أمس الأول، كادت تتطوّر إلى ما هو أخطر، بعدما اشتبه عدد من شبان المنطقة بشخصين غريبين كانا يتبادلان شيئًا لم يتمكنوا من تحديد طبيعته. وما بدأ بريبة عابرة سرعان ما تحوّل إلى حادثة تحمل في طياتها الكثير من الأسئلة المقلقة حول طبيعة التحركات الأمنية المشبوهة في منطقة لا تخضع تقليديًا لنفوذ “حزب اللّه”، وما إذا كانت البلاد أمام محاولة لفتح خطوط توتر داخلية في ظلّ الحرب الدائرة.

بحسب المعلومات التي حصلت عليها “نداء الوطن”، لاحظ شبان من أبناء المنطقة شخصين غريبين يتبادلان شيئًا بطريقة لافتة. وعلى الفور، بادروا إلى ملاحقتهما وتمكّنوا من توقيفهما واستجوابهما. وأفاد الشخصان بأنهما يعملان في محل لبيع الذهب في منطقة الحازمية.

غير أن الشكوك لم تتبدّد. فقد لاحظ الشبان أن أحد الشخصين كان يضع يده داخل الجاكيت ويرفض إخراجها. وعندما سُئل عمّا يحمله، أجاب بأنه “ذهب”. طلب منه الشبان إبرازه للتأكد، لكنه رفض، ما زاد الشبهات. وأمام إصرار الشبان على التحقق، قاموا بتفتيشهما، فعُثر مع أحدهما على جهاز “بايجر”، فيما كان بحوزة الآخر عدد كبير من الأوراق.

بعد دقائق قليلة فقط، وصلت إلى المكان سيارة جيب SVR لونها كحلي مسرعة، ونزل منها شخص طلب من الشبان عدم التعرّض للموقوفين، مؤكدًا أنهما يعملان لديه في محل للذهب في الحازمية.

كيف علم الشخص الذي وصل على متن الـ SVR بمكان وجودهما بهذه السرعة؟ ترجّح المعطيات أن التواصل تمّ عبر جهاز الـ “بايجر”، على قاعدة تنسيقٍ مسبق يقضي بإبلاغه فور حصول أي إشكال والالتزام برواية موحّدة عمّا جرى.

في هذه الأثناء، كان أحد شبان المنطقة يتفحّص الأوراق المضبوطة، لتتكشف مفاجأة خطيرة: الأوراق تتضمّن معلومات وأسماء مرتبطة بـ “قوة الرضوان” التابعة لـ “حزب اللّه”، إضافة إلى “ورقة استشهاد” تتضمّن نصًا يُتلى قبل “الاستشهاد”.

كما عُثر بين الأوراق على نقاط استلام وتسليم، و 35 مفتاح شقة، إلى جانب تحديد نقاط داخل عين الرمانة للالتقاء، منها مطاعم ومراكز ومقاهٍ في المنطقة، بينها مطعم “ع.” وسنتر “غ.” وعدد من المقاهي.

الأخطر، وفق المعلومات الخاصة التي حصلت عليها “نداء الوطن”، أن بعض الأوراق كانت تتضمّن أسماء إلى جانب أرقام أجهزة بايجر، ومنها:

– ح. مفيد / رقم البايجر: 297405

– حميد / رقم البايجر: 100605

– عمار 23 / رقم البايجر: 100149

كما حصلت “نداء الوطن” على ورقة أخرى كُتب عليها مكان الالتقاء مع التوقيت وأرقام مشفرة لم يُفهم معناها، ومنها:

الساعة 8:00 – جسر الشياح مع الرقم 151515 والساعة 23:30 – قهوة… مع الرقم 202020

وجاء في إحدى الرسائل المكتوبة: “في حال لم نلتقِ على موعد ثابت (11:00 – 15:00 – 20:30)، بعد نصف ساعة التوجه إلى جسر City والانتظار لمدة ربع ساعة”.

أمّا الورقة الثالثة فكانت مكتوبة بخط اليد، وتتضمّن تعليمات أمنية واضحة، منها: “عدم اصطحاب أي جهاز إرسال إلى أماكن ونقاط التسليم والاستلام.”، “عدم ترك البريد والابتعاد عنه (موتو – مع أحد…).” و “عدم تسليم البريد لأي أحد تحت أي عنوان- باعتني فلان، بسلم عليك فلان…”.

وبينما كان الشاب الذي عثر على الأوراق يحاول إبلاغ باقي الشبان بما وجده، بادر الشخص الذي وصل على متن السيارة إلى إطلاق النار، لينضمّ إليه أحد الموقوفين – الذي كان يحمل جهاز البايجر – ويباشرا إطلاق النار باتجاه الشبان.

وأدّى إطلاق النار إلى إصابة شابين من أبناء المنطقة هما إيليو خضرا ومحمد ملا.

وبحسب المعلومات، لم يكتفِ المسلّحان بإطلاق النار باتجاه شبان المنطقة، بل أطلقا النار أيضًا باتجاه الشاب الذي كان يحمل الأوراق – أي الشخص الثاني من “الحزب” – في محاولة لتصفيته، ما يوحي بأن الخوف كان كبيرًا من كشف ما بحوزته من معلومات أي أن أحد الشخصين اللذين كانا يتبادلان الأغراض حاول تصفية الآخر قبل أن يلوذ بالفرار برفقة الشخص الذي وصل على متن الجيب.

كما تبيّن أن الجيب لم يصل وحده إلى المكان، إذ رافقته درّاجة نارية وسيارة نيسان Sunny. أما الشخص الثاني فتمّ تسليمه إلى الأجهزة الأمنية.

فإذا لم يكن ما جرى مجرّد حادثة معزولة، فإن الاحتمال الأخطر هو أن يكون “الحزب” قد بدأ يعتمد أسلوب العمل عبر مناطق لا تخضع لسيطرته، مستفيدًا من الفوضى التي خلّفتها الحرب وحركة النزوح، لتمرير رسائل أو تنفيذ مهمات حساسة بعيدًا من الأنظار.

على ضوء ما حصل، اتصلت “نداء الوطن” بالنائب بيار بو عاصي، الذي شدّد على نقطتين أساسيتين: الأولى، أنه على الأجهزة الأمنية والقضاء عدم التساهل إطلاقًا مع ما حصل، لا مع الموقوف ولا مع مطلق النار.

أمّا النقطة الثانية، فتكمن في طبيعة نقل الرسائل بهذه الطريقة السرية المطلقة عبر أشخاص من النازحين، ما يعني بحسب بو عاصي أنه لا يمكن اعتماد مسار بهذه الحساسية لنقل رسائل إلّا لمسؤول رفيع المستوى.

وشدّد على أن المطلوب من الأجهزة الأمنية معرفة من هم هؤلاء المسؤولون في “حزب اللّه” الموجودون في منطقة عين الرمانة، والذين يشكّلون خطرًا على النازحين وعلى أبناء المنطقة، داعيًا إلى إخلائهم فورًا من المنطقة.

وأضاف بو عاصي أن المطلوب أيضًا تواجد أمني دائم في نقاط النزوح الأخرى، مشيرًا تحديدًا إلى كلية التحويطة، حيث طالب بإخلاء المنطقة في حال وجود أي عناصر من “حزب اللّه”. وكشف بو عاصي أنه بعد المطالبة بذلك لم يكن هناك أي تواجد أمني في كلية التحويطة كما كان متوقعًا ومتفقًا عليه، ما استدعى تجديد الطلب، وقد سُجل لاحقًا حضور أمني في المكان، على أن يكون هذا التواجد دائمًا وعلى مدار 24 ساعة.

ما حصل في عين الرمانة يتجاوز مجرّد إشكال أمني عابر. فالمعطيات التي ظهرت من أوراق مشفرة، وأسماء، وأرقام بايجر، ومفاتيح شقق، ونقاط لقاء داخل المنطقة تعني أن المسألة تتجاوز شخصين أو ثلاثة، لتطرح احتمال وجود شبكة كاملة تعمل في الظلّ داخل منطقة حساسة كعين الرمانة. وهذا يطرح أسئلة أكبر بكثير من حادثة إطلاق نار.

فهل نحن أمام شبكة تواصل سرية داخل منطقة حساسة؟ ومن هم المسؤولون الذين تُنقل إليهم هذه الرسائل؟ ولماذا تُحدّد نقاط لقاء داخل عين الرمانة تحديدًا؟ وهل نحن أمام محاولة لفتح خطوط عمل أمنية داخل مناطق أخرى عبر استخدام بيئات مختلفة لتنفيذ مهمات لا يمكن القيام بها داخل الضاحية أو مناطق نفوذ “الحزب” المباشر؟

أسئلة مشروعة تطرح نفسها بقوة، خصوصًا في ظلّ الحرب الدائرة، وفي ظل مخاوف حقيقية من محاولات جرّ البلاد إلى توتر داخلي.

عين الرمانة، التي تحمل ذاكرة الحرب الأهلية في وجدانها الجماعي، ليست الضاحية الجنوبية، ولا يمكن التعامل معها كأنها ساحة مفتوحة لأي تنظيم أو قوة. وأبناء المنطقة الذين أوقفوا الشخصين لم يفعلوا ذلك إلا انطلاقًا من خشية مشروعة على أمن منطقتهم. وأي محاولة لاستخدامها كأرض لنقل الرسائل أو لإدارة مهمات سرية، تحت أي عنوان كان، هي مغامرة خطيرة قد تعيد فتح جروح يعرف اللبنانيون جيدًا ثمنها.

وإذا كان البعض يرفع شعار الاستشهاد فداءً لإيران، فإن أبناء عين الرمانة يفتدون بدمهم لبنان، وفقط لبنان.

وما حصل لا يمكن أن يمرّ كحادثة عابرة. فإما أن تتحرك الدولة لكشف كلّ ما يجري، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وإمّا أن يبقى السؤال الأخطر معلقًا: هل هناك من يحاول فتح جبهة داخلية في لبنان؟ أم أن ما يجري جزء من مخطط أكبر يُحبك في الظلّ؟

اليوم عين الرمانة، غدًا أين؟

أوراق تتضمّن أسماء إلى جانب أرقام أجهزة بايجر

بايجر وأوراق لـ “قوة الرضوان” في عين الرمانة .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...