بلغ التصعيد الإسرائيلي ضد «حزب الله» في لبنان ذروته مع توجيه إنذارات غير مسبوقة إلى سكان كل من منطقة جنوب الليطاني والضاحية الجنوبية لبيروت وقرى في البقاع لإخلائها تمهيداً لهجمات تدميرية عليها، ما زاد التوقعات من أن يكون لبنان أمام عدوان إسرائيلي واسع وإنزالات لقوات «كوماندوس» كما حصل في النبي شيت على وقع موجة من الغارات الجوية ومواجهات على طرفي الحدود بين الجيش الإسرائيلي وعناصر «حزب الله» الذين يحاولون التصدي لأي توغل إسرائيلي للسيطرة على مرتفعات إضافية.
وهكذا خطفت التطورات الأمنية في لبنان الأنظار عن الحدث في إيران مع تصاعد التهديدات التي وصلت حد توسيع السيطرة الإسرائيلية جنوباً مسافة 10 إلى 15 كيلومتراً من الحدود، وحد تحويل الضاحية إلى نموذج شبيه بخان يونس في غزة ومواجهة البيئة الشيعية أخطر مرحلة في تاريخها، حيث تتعرض لتدمير وإخلاء دراماتيكي لمنطقة تشكّل 10 في المئة من مساحة لبنان، بعد إنقلاب «الحزب» على تعهداته بعدم الإنخراط في حرب «إسناد إيران» وأخَذَ بيئته مرة جديدة رهينة لحساباته بعد حقب أليمة بدءاً بحرب تموز/يوليو 2006 وحرب الـ 66 يوماً عام 2024 وصولاً إلى حرب اليوم التي قد تشهد عودة لشريط حدودي كالذي نشأ بعد اجتياح عام 1982 وحتى تحرير عام 2000.
إلا أن هذا الشريط لن يكون مأهولاً على الأرجح بل منطقة عازلة سبق لإسرائيل أن صرّحت عنها مراراً، وهذا الطرح يحظى مبدئياً بغطاء واشنطن التي دعت إلى التخفيف من وطأة إسم المنطقة وتجميلها وتسميتها «المنطقة الاقتصادية».
وفي ظل هذا المنعطف الخطير يبدو الحراك الدولي للحد من التصعيد الواسع خجولاً ولا يساعد على إخراج البلاد من المأزق الدموي الذي انزلقت إليه، ما يضاعف من خطورة المشهد وبقاء لبنان في قلب معركة مفتوحة من دون مظلة دبلوماسية فاعلة أو مبادرة دولية قادرة على كبح التصعيد باستثناء أفكار فرنسية اقترحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تنص على إعلان «حزب الله» وقف القتال وتسليم السلاح خلال أسبوعين، والذي تواصل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوضع خطة لوقف العمليات العسكرية لم تلق قبولاً لكنها استطاعت الحد من الضربات على الضاحية من دون الحصول على ضمانات بتراجع تل أبيب عن تنفيذ تهديداتها.
ففرنسا التي كانت أحد رعاة اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2024 بات تأثيرها ضعيفاً على إسرائيل بمعزل عن الولايات المتحدة الأمريكية. ومن المعروف أن تل أبيب تعتبر أن هذا الاتفاق بات من الماضي، وهي «تدرس إبرام اتفاق أوسع مع لبنان ينهي المعركة الحالية» بحسب ما نقلت «القناة 13» الإسرائيلية. وما لم تقله القناة العبرية هو اشتراط تل أبيب تجريد «حزب الله» من سلاحه وإنهاء كل خطر على إسرائيل وعدم الاكتفاء بالحظر الحكومي على الأنشطة العسكرية والأمنية لـ «الحزب» بل أيضاً على الجناح السياسي لجهة عدم تمثيل «حزب الله» في الحكومة ولا في المجلس النيابي.
في المقابل، يدعو «حزب الله» إلى وقف النار أولاً ثم التفاوض، ويتحدث عن رفض العودة إلى اتفاق يعطي انطباعاً بالهزيمة كما حصل في اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر.
هذه المستجدات أعادت خلط الأوراق في لبنان، فبعد ما كانت مطالب الثنائي الشيعي إعادة الإعمار وتخصيص المبالغ المالية اللازمة من قبل الدولة واستقطاب المساعدات العربية والدولية، بات المطلب الرئيسي اليوم عودة الأهالي إلى قراهم ووقف مخطط التهجير وإقامة المنطقة العازلة على الحدود.
نزوح البيئة الحاضنة
وإذا كان البعض من البيئة الحاضنة لـ«حزب الله» لا يزال مقتنعاً بمواقف وسياسة «الحزب» ويتأثر ببيانات «الإعلام الحربي» وبخيار المواجهة إلى أبعد الحدود وحتى درجة الاستماتة كما قال الأمين العام الشيخ نعيم قاسم الذي أكد «أننا لن نستسلم»، فإن قسماً آخر من هذه البيئة بات غير مقتنع بجدوى السلاح وفعالية الصواريخ وبأي انخراط في حرب «إسناد إيران» بعد تجربة «إسناد غزة». وتمكّن بعض النازحين إلى مناطق أكثر أمناً من التعبير عن حزنهم لما آلت إليه أوضاعهم رغم خوفهم من الإفصاح عما يختلج في قلوبهم، وكان الحزب عمّم على نازحين أُخرِجوا من ديارهم التصريح بأنهم غادروا بإرادتهم إلى حين ولم يهربوا خوفاً من إنذارات افيخاي أدرعي وأنهم سيعودون مرفوعي الرأس ومنتصرين يوم الفتح المبين الذي سيصنعه أبناؤهم.
أما مناصرو «حركة أمل» فكانوا أكثر تعبيراً عن رفضهم توريط الطائفة الشيعية في مغامرات جديدة، ووصف بعضهم ما أسفر عنه إطلاق الصواريخ بأنه «السقوط الأخير»، في وقت التزم رئيس مجلس النواب نبيه بري الصمت تعبيراً عن استيائه من نكوث «حزب الله» بوعده له بعدم الانخراط بحرب «إسناد إيران»، واكتفى بكلمة «لا تعليق». غير أن معارضين شيعة رأوا أن صمت الرئيس بري غير مفيد في الوقت الراهن لأن الطائفة الشيعية في خطر وجودي.
وفي ضوء هذه الأجواء وللتخفيف من نقمة النازحين قسراً من بيوتهم وقراهم، أعاد «حزب الله» النظر ببيانه الأول الذي تبنى فيه عملية إطلاق الصواريخ ثأراً لدماء المرشد الإيراني علي خامنئي، وأطل الشيخ نعيم قاسم ليتبنى سردية مختلفة لسبب إطلاق الصواريخ ويربطها بالرد على العدوان الإسرائيلي الأمريكي بعد 15 شهراً من الصبر الذي له حدود كما قال.
تغيير سردية الصواريخ
وجاء تغيير سبب إطلاق الصواريخ الستة بعدما آلت إليه عملية النزوح الكبيرة في ساعات الفجر من جنوب لبنان نتيجة الإنذار الإسرائيلي بالإخلاء في مشهد أثار غضب قسم كبير من البيئة الحاضنة للحزب التي لأول مرة تعبّر عن سُخطها من التشرد على الطرقات في شهر رمضان، وتسأل عن مبرر الانتقام للمرشد علي خامنئي فيما سكت «الحزب» على مصرع 500 عنصر سقطوا على مدى سنة و3 أشهر ولم تتدخل طهران بعد اغتيال أمين عام الحزب السابق السيد حسن نصرالله.
ولجأ «حزب الله» للتخفيف من نقمة مَن اضطروا للنزوح رغماً عن إرادتهم، قائلا إنه لو لم يبادر إلى قصف إسرائيل لكانت إسرائيل هي التي بادرت إلى قصفه، وأنه استبق ضربة كانت تتحضر ضده دفاعاً عن النفس.
لكن خصوم «الحزب» يقدمون سلسلة وقائع مغايرة أبرزها أن الشيخ نعيم قاسم وقيادات الحزب لطالما أكدوا في أكثر من مناسبة أن «المقاومة» استعادت قدراتها وجهوزيتها العسكرية. كما أعلن الشيخ نعيم مراراً أن «صبرنا له حدود وقد نفد وأن العودة إلى المواجهة ستكون في الوقت المناسب». أكثر من ذلك، صرّح «حزب الله» أنه لن يتدخل في حال وجّهت الولايات المتحدة ضربات محدودة لإيران، لكنه أعلن أن التعرض للمرشد خط أحمر وفي حال تم استهداف خامنئي عندها سيتدخل.
وبعد أيام على اندلاع المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله»، يطرح لبنانيون علامات استفهام حول النتيجة التي أدت إليها صواريخ «الحزب» ومسيّراته وهل خدمت أبناء البيئة الحاضنة والدفاع عن الطائفة الشيعية ووفّرت لهم الأمان؟ أم ألحقت بهم مجدداً القتل وشرّدتهم خارج بيوتهم وقراهم بدل أن يكونوا آمنين بين عائلاتهم في منازلهم في شهر رمضان؟ كما أن موقف الدولة اللبنانية تبدّل بوضوح تجاه «حزب الله» عما كان في حرب «إسناد غزة» وقبلها في حرب تموز/يونيو 2006. ففي حينه لم تكن تجرؤ الدولة على حظر النشاطات العسكرية والأمنية لـ «الحزب» واعتبارها خارجة عن القانون وإلزامه بتسليم سلاحه، بل كانت تتعامل معه بخوف لأنه كان يتحكّم بقرارها ويهدد قياداتها ويهيمن على مؤسساتها ويعطّل استحقاقاتها وانتخاباتها.
أما اليوم، تبدّل المشهد وإن كان لا يزال بحاجة إلى تنفيذ القرارات لئلا تبقى حبراً على ورق، وهذا ما شدد عليه رئيس الحكومة نواف سلام الذي دعا الوزارات والإدارات والأجهزة المعنية إلى اتخاذ كل الإجراءات لمنع أي نشاط أمني أو عسكري وترحيل عناصر الحرس الثوري الإيراني، وردّ في جلسة مجلس الوزراء على الشيخ نعيم قاسم، رافضاً اتهام الحكومة اللبنانية بأنها تتماهى مع المطالب الإسرائيلية.
ومن البديهي أن المسؤول الأول عن تنفيذ قرارات الدولة هو الجيش اللبناني الذي تتعرض قيادته وبعض ضباطه لانتقادات لناحية التساهل مع «حزب الله» ومحاولة الإبقاء على سياسة الأمن بالتراضي كما حصل في حادثة صخرة الروشة التي سجّل فيها «حزب الله» نقاطاً على الرئيس سلام وأضاءها بصورة السيد حسن نصرالله خلافاً لإرادته. كما تبيّن أن تطبيق خطة حصرية السلاح جنوب نهر الليطاني لم تكن جدية وعلى المستوى المطلوب بدليل عودة صواريخ «الحزب» إلى الظهور المفاجئ في تلك المنطقة. وهذا سينعكس سلباً على مؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي كان مقرراً في باريس في 5 آذار/مارس الحالي وتأجل إلى وقت لاحق، تماماً كما فرضت الحرب تأجيل الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في 10 أيار/مايو المقبل والتمديد لمجلس النواب في جلسة تُعقد يوم غد الاثنين.
يبقى أن الأمور مفتوحة على كل السيناريوهات ولا ضوابط في الأفق للميدان الحربي في ظل محاولة إسرائيل فرض أمر واقع جديد في لبنان وربما تغيير ديموغرافي وتلاعب بالخرائط.
لبنان تحت النار: إسرائيل تصعّد ضد «الحزب» وأي سيناريوهات تنتظر الجنوب والضاحية؟ .








