كان من المفترض أن يكون اعتصام “يوم الغضب والرفض” متزامناً مع زيارة وزير الاتصالات إلى “أوجيرو”، في خطوة أرادتها النقابة مواجهة مباشرة في المكان والزمان مع المسار المطروح لإعادة هيكلة القطاع. لكن الإعلان المسبق عن التحرك حدا بوزير الاتصالات شارل الحاج إلى الطلب من المديرين في “أوجيرو” نقل الاجتماع إلى مبنى الوزارة، ما اعتبرته أوساط نقابية محاولة لتفادي المشهد الاحتجاجي في المقر الرئيسي للهيئة.
تحول اعتصام “يوم الغضب والرفض”، الذي نفذته النقابة العامة لموظفي وعمال المواصلات السلكية واللاسلكية الدولية في لبنان – أوجيرو، في مركزها الرئيسي في بئر حسن، إلى مواجهة مفتوحة مع مسار إعادة هيكلة قطاع الاتصالات، وتجلى من خلال كلمة النقيبة أميلي نصار المشهد بوصفه بياناً اتهامياً وسياسياً متكاملاً يتجاوز البعد المطلبي إلى الدفاع عن هوية مرفق عام استراتيجي.
كلمة نصار شكلت العمود الفقري للتحرك. فـ”غضب” النقابة، وفق ما قالت “ليس شعاراً ظرفياً، بل صرخة في وجه دولة “مفلسة”، تعجز عن تأمين حبة دواء لموظفيها، وعن دفع المفعول الرجعي منذ العام 2024، وعن تطبيق مرسوم الحد الأدنى الجديد الرقم 699 الصادر سنة 2025 بحجة عدم وجود اعتمادات، فيما تدعي في الوقت نفسه قدرتها على ضمان مستقبلهم في شركة تجارية مجهولة المصير. كرامة الموظف، برأيها، باتت “وجهة نظر في أروقة الوزارات”، وتعب السنين يراد له أن يتبخر “بجرة قلم هروباً من التوقيع”.
كلمة نصار لم تقتصر على الواقع المالي، بل طال الإطار القانوني الناظم للقطاع، إذ اوضحت بأن القبول بأن تدار أحلام العاملين في عام 2026 بقوانين ومراسيم ولدت عام 2002 يشكل فجوة زمنية ومنطقية “تلامس حد مشروع الانتحار”. فقانون الاتصالات 431/2002، الذي أقر في سياق مختلف تماماً، لم يعد، برأيها، قادراً على مواكبة تحديات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في 2026. لذلك أعلنت أن الوعود الشفهية “كلام يمحوه الليل”، وأن حقوق ومكتسبات القانون 161 ليست ملكاً لأحد ليعرضها في “مزاد التسويات”.
وقارنت بين “واقع 2026 المر المرير” و”رؤية 2002″، إذ كيف يمكن لدولة عاجزة عن دفع مستحقات 2024 أو تمويل الحد الأدنى الجديد (28 مليون) أن تضمن مستقبلاً وظيفياً آمناً؟ في مقابل ذلك، كانت رؤية 2002 تفترض دولة قادرة على تأمين التعويضات والضمانات. كذلك رأت أن الحصرية التقنية المطروحة تشكل “فخاً قانونياً”: المادة 49 تشرع صرف الموظفين، تتجاهل المياومين، وتطيح بتعويضات القانون 161، تحت عنوان “انتقال سلس”.
نصار وسعت هجومها ليطال السياسات المعتمدة منذ عام 2017، معتبرة أنها هدفت إلى “تجفيف منابع أوجيرو” ومنع صيانة الشبكة، ما حول الأمان الوظيفي إلى أداة خنق، في الوقت الذي انتقدت الإبقاء على حصرية الهاتف الثابت وDSL، وهي تقنيات بادت، بدل منح حصرية الألياف الضوئية والخدمات الحديثة لضمان ديمومة الشركة الجديدة في سوق مفتوحة تشهد منافسة غير شرعية. وذكرت بأن “أوجيرو” كانت “منارة الاتصالات” وتستقطب أهم الشركات العالمية كشركاء استراتيجيين.
وبالانتقال إلى شركة “ليبان تليكوم”، المنشأة بموجب المرسوم 13944، الصادر سنة 2005، سألت نصار “كيف لدولة لا تملك ثمن تعويض نهاية خدمة لموظف أمضى 30 عاماً في حماية الشبكة أن تضمن استمرارية في شركة لا هيكلية لها ولا نظام مستخدمين ولا حصرية عمل؟”. ورفض تعديل المادة 49 عبر مجلس النواب، بحسب قولها، هو “البرهان القاطع” على أن المطلوب من الموظفين “القفز في بئر بلا قاع”.
النقابة حددت مطالبها بـ 3 عناوين واضحة:
– تعديل المادة 49 فوراً لتحويلها من أداة صرف إلى صمام أمان ينقل الحقوق بضمانة القانون.
– حماية الصندوق الصحي وصندوق تعويضات 161 وضمان استمرارية التغطية وتأمين الأموال فوراً.
– تحديث مرسوم إنشاء ليبان تليكوم 13944 ومنحها حصرية الخدمات المتطورة لبناء منافسة سليمة.
– مجلس إدارة جديد لـ”ليبان تليكوم”.
توازياً، علمت “النهار” بأن وزير الاتصالات شارل الحاج قدم اقتراحاً إلى الحكومة لتشكيل مجلس “ليبان تليكوم” برئاسة أحمد بسام عويدات مديراً عاماً، وعضوية ناجي أندراوس وعلي عطية كمديرين تنفيذيين. لكن مصادر النقابة تعتبر أن ما يجري ليس نهوضاً بالقطاع، بل عملية تستهدف طمس العلامة العريقة لهيئة “أوجيرو”، واستبدالها بكيان “ليبان تليكوم” كواجهة فارغة من دون نقل حقيقي للأصول، في تطبيق منحرف للمادة 50 من قانون 431/2002.
كما تكشف عن مسار تعتبره تمهيداً لسيناريو استثماري مشبوه يبدأ بنقل الموظفين والمهام وفق المادة 49، ثم الالتفاف على المادة 46 عبر هندسة مزايدة صورية تفضي إلى بيع 40% من الأسهم إلى “شريك استراتيجي” تصفه بأنه واجهة لشركات خاصة، بما يحول المرفق العام إلى ملكية خاصة مغلفة بشرعية قانونية زائفة.
هل تفرض المصالح نفسها على التوتر الاميركي الإيراني؟ .












