يبدو جلياً أن الضربة الأميركية لإيران باتت وشيكة جداً، رغم تأكيد مصدر ديبلوماسي عربي أن ظروفها لم تنضج كفاية، لأنها ما لم تهدف إلى تغيير النظام، فإنها تكون قد قاربت الفشل. فالنظام الإيراني، وإن قدّم بعض التنازلات، يراهن على تبدل الأحوال والظروف في أميركا وإسرائيل بعد أشهر، ويدرك مدى النقمة الروسية – الصينية- الأوروبية- العربية على الإدارة الأميركية، ويراهن على تحالفات مستقبلية قد تجعل ما بقي من ولاية الرئيس دونالد ترامب، عجزاً كلياً عن المبادرات والمغامرات، اللهمّ إلا إذا فقد توازنه واتجه إلى مغامرات غير محسوبة. لكن الإدارة العميقة قادرة بعد على لجمه، خصوصاً أن طريقة تفكيره ترتكز على العوامل الاقتصادية والمنافع المالية، وهذه أمور يمكن حسبانها بدقة أكبر.
وتبرز الحركة الإسرائيلية دنوّ الساعة الصفر، بدليل الاستعدادات الميدانية في اسرائيل، وتكثيف عمليات استهداف مراكز “حزب الله” في عمق الداخل اللبناني، لإفهام قيادة الحزب بألا تغامر فعلاً في إسناد إيران، كما فعلت تلك القيادة في إسناد غزة، فإذ بها تذهب ضحية تلك المغامرة، وتورط قياداتها وناسها، وتؤثر في حركة المحور الإيراني ككل، حتى وصل الأمر إلى سقوط النظام السوري – الأسدي، وفرار الرئيس السابق بشار الأسد مع عائلته في ليلة مظلمة.
هذا السقوط، إضافة إلى اغتيال السيد حسن نصرالله، رسما النهاية لما يسمى “محور المقاومة”.
والواقع وفق أكثر من قراءة سياسية وديبلوماسية، أن “حزب الله” فقد القدرة على المبادرة، لأنه وإن كان يملك مخازن للأسلحة، فإن الوصول إليها لم يعد سهلاً إذ يكشف أماكن وجودها في ظل رقابة جوية إسرائيلية مستمرة، وبالتالي يعرض قيادات وعناصر جديدة لخطر الاغتيال. أما عدم صيانتها وعدم وضعها في ظروف مناسبة فيحولها خردة خطرة على أصحابها، والدليل سقوط ستة عناصر في الجيش اللبناني- فوج الهندسة، شهداء الواجب، أثناء تفجر قذائف وصواريخ لم تخضع للصيانة في مستودع دخله الجيش اللبناني في وادي زبقين في آب 2025. وعليه يصبح السلاح المخزّن لزوم ما لا يلزم.
والسبب الثالث هو فقدان القدرة على الإمداد، أي تعويض المخزون المستهلك، نظراً إلى سقوط النظام السوري أولاً، وبالتالي انقطاع طريق الإمداد، ثم تشديد الرقابة اللبنانية في الجو، والبر، والبحر، وبالتالي تراجع- حتى لا نقول انعدام- إمكان إيصال الأسلحة إلى الحزب، والأكثر نقلها داخل لبنان، إذ إن الجيش اللبناني الذي لم يطبق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بتفاصيلها، يعمل وفق التزام واضح لحصر السلاح، وإن اختلفت بعض التكتيكات والخطط، لأن الأوامر المعطاة له تقضي بمصادرة أي شحنة أسلحة، أو أي سلاح ظاهر على كل الأراضي اللبنانية، سواء مع الحزب أو مع غيره. ومع هذا القرار تسقط التسهيلات التي كانت معطاة لـ “المقاومة” لحرية الحركة وعدم الخضوع لأي تفتيش. ولا تنفع في هذا المجال صلات القربى مع قيادات عسكرية وأمنية إلا في حالات ضيقة جداً تنفع فيها بطاقات “تسهيل مرور” صارت عبئاً على الجهات التي تصدرها، لأنها تشكل إدانة لها وتقرّبها من المحاسبة والعقوبات.
ما يهمنا في لبنان هو انتهاء الصراع الأميركي – الإيراني، أو بعبارة أصح، تبلور مآلاته، سواء بضربة عسكرية تبدّل طبيعة النظام الإيراني وتحدّ من نفوذه في المنطقة، بل ربما تجبره على الانحسار داخل حدود إيران، بما ينعكس حكماً على لبنان وغيره، أو من خلال نجاح المفاوضات التي سترسم نتائج متقاربة وإن أشدّ وطأة على ما بقي من المحور. والاتفاق سينعكس إيجاباً على كل دول المنطقة، من خلال تقليص دور المجموعات والفصائل المدعومة من الحرس الثوري الإيراني.
“الحزب” لا يمكنه الإسناد… ولبنان ينتظر ما بعد الضربة .











