إعلان القوات المسلحة اللبنانية تحقيق “السيطرة العملياتية جنوب نهر الليطاني” يعدّ علامة فارقة مهمة، لكنه لا يعني أن كل منزل خاص وشركة قد تم تطهيرهما من أصول “حزب الله”
كان عنصراً رئيسياً في السياسة الأميركية في لبنان تدريب القوات المسلحة اللبنانية وتجهيزها ودعمها باعتبارها المؤسسة الوطنية الأكثر صدقية، والتي تحظى بدعم شعبي واسع على مدى السنوات العشرين الماضية.
على مدار الشراكة، قدّمت الولايات المتحدة نحو 3 مليارات دولار للتمويل العسكري الأجنبي ومساعدات إضافية لتعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية. كانت هذه السياسة مثيرة للجدل منذ فترة طويلة. فقد تساءل المشككون هل القوات المذكورة قادرة أو راغبة في مواجهة “حزب الله” ومصادرة أسلحته غير الشرعية؟ مع ذلك، فإن التقدم الأخير يستحق الاعتراف به. إذ اتخذت القوات المسلحة اللبنانية خطوات مهمة بتأكيد السلطة على مطار بيروت، وإزالة الأسلحة من مخيمات الفلسطينيين واللاجئين، وزيادة القوات المنتشرة في جنوب لبنان، وإجراء عمليات تفتيش لبعض المنازل الخاصة.
إن إعلان القوات المسلحة اللبنانية تحقيق “السيطرة العملياتية جنوب نهر الليطاني” يعدّ علامة فارقة مهمة، لكنه لا يعني أن كل منزل خاص وشركة قد تم تطهيرهما من أصول “حزب الله”. هناك حاجة إلى مزيد من العمل، ويجب تشجيع الجيش اللبناني على التحرّك بسرعة شمال الليطاني، مع الحفاظ على السيطرة العملياتية في الجنوب وإتمام تطهير مقاتلي “حزب الله” وأسلحته. يجب أن يتحرّك هذا العمل أسرع.
تشير التقارير إلى أن “حزب الله” يتحرّك سريعا لإعادة البناء وزيادة إنتاجه الداخلي للأسلحة شمال الليطاني. وإذا كان على القوات المسلحة اللبنانية تعزيز هذه المكاسب فإن الدعم الموجه ضروري مع محاسبة قوات الجيش اللبناني على العمليات الفعّالة. هي ستحتاج إلى مزيد من المركبات والتدريب المستمر والدعم للقيام بدوريات وإظهار الحضور. تعدّ الإعلانات الأميركية الأخيرة في شأن نقل المعدات الأساسية مهمة. وقد وافقت إدارة ترامب على أربع حزم دعم عسكري العام الماضي، بما في ذلك سحب رئاسي بقيمة 14,2 مليون دولار في أيلول الماضي وحزمة بقيمة 240 مليون دولار في تشرين الأول الماضي. ستكون هناك حاجة إلى تمويل مستدام لزيادة حجم القوة حتى يتمكن الجيش اللبناني من الاحتفاظ بمكاسب الجنوب، بينما تتمدد العمليات شمالاً.
تبقى برامج دعم الرواتب حاسمة للروح المعنوية وللاحتفاظ بالأفراد. أخيراً يجب تمكين هذه القوات وتزويدها الموارد لدخول الشركات الخاصة والمنازل حيث يخزّن “حزب الله” الأسلحة ويخفي الأنشطة إذا كان لبنان سيعيد توحيد احتكار القوة تحت سلطة الدولة.
على المسؤولين الأميركيين، يقول باحث أميركي مهم، اغتنام فرصتين قريبتي المدى بالإشارة إلى التركيز على إكمال نزع سلاح “حزب الله”، بينما يدعمون قوات الجيش اللبناني. المؤتمر الذي ستستضيفه فرنسا أوائل آذار المقبل وزيارة قائد هذا الجيش الأخيرة لواشنطن يجب أن يكون الهدف منهما التوضيح أن الدعم الأميركي يأتي مع توقعات للأداء والشفافية. استثمرت الولايات المتحدة في الجيش اللبناني مدة عقدين استعداداً لهذه اللحظة. وعلى الأخير أن يرقى إلى مستوى هذا الاستثمار. يجب أن يفهم القادة المدنيون في بيروت وقادة الجيش في لبنان أن الدعم المستمر سيكون مرتبطاً بفاعلية عملية نزع السلاح. يجب أن تتجاوز هذه التوقعات أعداد المنازل التي تم تطهيرها والإعلانات عن الأسلحة التي سحبها “حزب الله”. على بيروت أن توضح بشفافية ما تفعله بالأسلحة المصادرة والإجراءات التي تتخذ لوقف عملية إعادة التسليح غير المشروعة، إذا كانت تريد كسب ثقة المجتمع الدولي.
ماذا بعد المساعدة الأمنية الأميركية للجيش اللبناني؟ حذّرت إدارة ترامب من العواقب السلبية لتأجيل انتخابات لبنان في أيار المقبل. ولكن لا مؤشر كبيرا على تركيز أميركا على دعم تصويت حر ونزيه وذي صدقية يعكس إرادة الناخبين اللبنانيين، بمن في ذلك أولئك الموجودون في الشتات. ستكون أسوأ نتيجة، برلمانا يعكس الذي كان قبل 7 تشرين الأول 2024، الأمر الذي يترك لـ”حزب الله” نفوذاً نيابياً متجدداً. وفي غياب القيادة الأميركية المرئية تتدخل جهات فاعلة مثل قطر وتركيا وغيرهما في الفراغ السياسي، ويزيد ذلك التدخل الخارجي لمصلحة السياسيين الموالين للأولويات الخارجية بدلاً من التركيز على حاجات المواطنين اللبنانيين. على الولايات المتحدة أن توضح صعوبة العمل المنتج مع حكومة لا تلتزم إصلاحاً اقتصادياً ذا مغزى. وعلى أي برلمان جديد أن يدعم ولاية رئيس لبنان ورئيس الوزراء لوضع الأسلحة كلها تحت سيطرة الدولة. على أميركا أيضاً الإيضاح أن إستراتيجية إعادة الإعمار وبخاصة في جنوب لبنان مرتبطة بحوافز نزع السلاح. قد يختار شيعةٌ كثيرون عدم الاعتماد على “حزب الله” مدافعاً عنهم داخل البلاد. لكن الحاجات إلى الإغاثة الإنسانية وإعادة البناء تخاطر بدفعهم مرةً أخرى الى “الحزب” وداعمته ومؤسسته إيران، ما لم تتمكّن بيروت من القيام باللازم. على المساعدة أن تكون ومعها الدعوة لدى المؤسسات الدولية والمانحين الآخرين، جزءاً من خدمة أميركية مشروطة للبنان، وتاريخياً قدّمت الولايات المتحدة مساعدات اقتصادية وإنسانية كبيرة له لدعم الحوكمة وإغاثة اللاجئين والاستجابة للطوارئ بعد أزمات كبيرة.
من دون شيء ملموس على الطاولة لن تتنازل الولايات المتحدة عن الكثير من نفوذها للآخرين، أو تخاطر بإعادة تمكين الوزارات وكيانات الحكومة المحلية التي لا تزال تحت تأثير “حزب الله”. على الولايات المتحدة أن تعمل مع المجتمع الدولي والمانحين مثل تركيا وقطر لضمان عدم إستفادة الكيانات المرتبطة بـ”حزب الله” من التمويل. هناك خطوات عدة لا بد من اتخاذها، أولاها توسيع فريق السياسة الأميركي في لبنان بما يتجاوز السفير ميشال عيسى، والفريق الأكبر سيحسّن التنسيق مع الشركاء ويؤمن مراقبة أفضل للتقدّم على الأرض.
ثانيتها أن يعرض ترامب على الرئيس جوزف عون زيارة البيت الأبيض في الوقت المناسب خلال العام الجاري. سيكون ذلك اعترافاً بالتقدّم وتشجيعاً للقيام بمزيد من الإصلاحات. يُستحسن أن تتم الزيارة قبل الانتخابات النيابية في شهر أيار المقبل.
ثالثتها إظهار التزام بلبنان يتجاوز نزع سلاح “حزب الله” ومواصلة الولايات المتحدة دورها الحاسم في تسهيل حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل يؤدي إلى تطبيع نهائي.
على ترامب دعوة عون إلى البيت الأبيض قبل الانتخابات! .












