يُستحسن، في هذه المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها لبنان، تجنب فتح أي نقاش في المسائل الخلافية المتعلقة بالنظام السياسي ومستقبل البلد. فالأولوية القصوى اليوم هي طيّ الصفحة التي جرّت على لبنان الويلات والكوارث، وأخرجته من مرتبة الوطن إلى مرتبة الساحة. وبعد وضع الصخرة على قبر ستة عقود من الفوضى، وتسيُّب الحدود، وتعدّد مراكز القوة، والارتهان لمحاور الخارج، يمكن فتح ورشة نقاش ضرورية لإعادة صياغة وهندسة التركيبة اللبنانية.
المطلوب اليوم تحصين لبنان سياديًا من خلال دولة واحدة تمسك بكل مفاصل القرار الأمني والعسكري، وتملك حصرًا قرار الحرب والسلم، وتسيطر على الحدود البرية والبحرية والجوية، وجيشها هو المرجعية الوحيدة للسلاح، والقوة الشرعية الوحيدة القادرة على بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
والمطلوب كذلك إقفال كل الثغرات التي أودت بلبنان إلى ما وصل إليه: إقفالها حدوديًا مع سوريا، وحدوديًا مع إسرائيل، وداخليًا أيضًا بنزع السلاح غير الشرعي. المطلوب توثيق العلاقة الاستراتيجية مع سوريا على قاعدة الاحترام المتبادل الكامل للسيادة، وضبط الحدود، ومنع استخدامها ممرًا لأي سلاح أو مشروع أو تنظيم يعيد لبنان إلى دوامة الاستباحة. فقد أثبتت التجارب السابقة أن أي خلل في هذه العلاقة، وأي فوضى على الحدود، يتحولان سريعًا إلى عامل تدمير للبنان. لذلك، فإن أفضل العلاقات بين الدولتين، المبنية على وضوح المصالح وترسيم الأدوار، هي مصلحة لبنانية وسورية في آن معًا.
وبالموازاة، لا بد من ترتيب العلاقة مع إسرائيل، بمعزل عن الشكل أو المستوى الذي يُعتمد. الأساس أن يؤكد لبنان الرسمي، بوضوح لا لبس فيه، أنه لن يسمح بأن تشكّل أراضيه منطلقًا لاستهدافها، على غرار ما حصل منذ منتصف ستينات القرن الماضي إلى “حرب الإسناد”. فهذه المعادلة، القائمة على منع استخدام لبنان ساحةً لتصفية الحسابات، تشكّل المدخل الإلزامي لحماية الداخل. إذ لا يمكن بناء دولة فيما حدودها سائبة، ولا يمكن جذب استقرار أو استثمار فيما قرار الحرب خارج مؤسساتها.
إن المطلوب في هذه المرحلة هو إقفال كل ما بدأ منذ منتصف ستينات القرن الماضي: لبنان الساحة المستباحة، والتنظيمات العابرة للدولة والحدود، والازدواجية في القرار. إن إقفال هذه الحقبة، حدوديًا وداخليًا، وتحصين الدولة بمؤسساتها، هو الشرط الأول لأي نقاش لاحق حول النظام السياسي.
هناك بالفعل أسئلة كبرى تستحق البحث العميق والهادئ لاحقًا: لماذا الإصرار الإسلامي، مثلًا، على إلغاء الطائفية في لبنان من دون المطالبة بإلغائها في العالم العربي والإسلامي؟ فمن يريد إلغاء الطائفية يجب أن يكون منسجمًا مع نفسه، وأن يطالب بتحويل دساتير الدول العربية إلى دساتير مدنية. ولماذا الإصرار المسيحي على الولاء والانتماء للبنان، فيما تجربة قرنٍ أظهرت تعثر هذا المسار؟ ولماذا الإصرار على إلغاء تعددية حضارية لمصلحة “انصهار” يقود إلى تحكّم الديمقراطية العددية؟ ولماذا تغيير وجه لبنان وعلّة وجوده وتميّزه، بوصفه دولة مدنية يحكمها المسيحيون والمسلمون معًا، فيما معظم دول المنطقة ما تزال أسيرة أنظمة وهويات أحادية؟
لم يكن النقاش الجدي والمسؤول متاحًا منذ نصف قرن، في ظل صعود الثورة الفلسطينية، وصعود الحالة البعثية الأسدية، وصعود الثورة الإيرانية، ووسط الحرب والانقسام. أمّا اليوم، وبعد سقوط المشاريع الإقليمية الكبرى التي هزت استقرار لبنان، بات من الضروري فتح هذا النقاش المعمّق، ولكن بعد أن يستعيد لبنان مقوّماته السيادية الكاملة، قطعًا للطريق أمام أي تنظيم مسلّح يستفيد من هذه الملفات للإبقاء على سلاحه.
طالما أن لبنان دخل في الفصل الأخير من المسار الإقليمي الذي خطف قراره وحوّله إلى منصة صراع، فإن انتظار انتهاء هذا المسار، وإعادة الإمساك الكامل بالقرار الوطني، يشكّلان شرطًا سابقًا لأي ورشة سياسية داخلية. عندها فقط يبدأ النقاش الجدي: كيف نحافظ على التعددية اللبنانية؟ كيف نحصّن صيغة العيش المشترك؟ كيف نبني دولة واحدة بانتماءات متعددة؟
لم تقم الفكرة التأسيسية للبنان على الإلغاء، بل على الجمع. فالتعددية ليست عبئًا عليه، بل هي معنى وجوهر وجوده. ومن دونها، يفقد مبرر قيامه، ويتحوّل إلى كيان بلا رسالة وبلا معنى.
لذلك، الأولوية اليوم واضحة: دولة واحدة، وسلاح واحد، وقرار واحد، وحدود ممسوكة مع سوريا وإسرائيل، وعلاقات مستقرة مع الجوار والعالم. المطلوب إقفال الستين عامًا التي أنهكت لبنان وختمها بالشمع الأحمر، وتحصين الوطن حتى لا يعود ولا يكون ساحةً لأحد. وبعد أن تستعيد الدولة كامل سلطتها، يصبح فتح الدفاتر المؤجلة ضرورة ملحّة.
تحصين السيادة قبل هندسة النظام .










