قطاع خاص منهك يموّل قطاعًا عامًا مهترئًا

في لبنان اليوم، لم يعد الخلل بين القطاعين العام والخاص مجرّد نقاش اقتصادي تقني، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية تمسّ جوهر العقد الاجتماعيّ. فبينما يرزح القطاع الخاص تحت وطأة الانكماش، الضرائب المتصاعدة، انهيار القدرة الشرائية، وشحّ التمويل، تُقرّ زيادات ورواتب إضافية في القطاع العام تُموَّل عمليًّا من جيوب من تبقى يعمل وينتج في الاقتصاد الحقيقي. إنها معادلة مقلوبة: قطاع خاص منهك يُطلب منه تمويل قطاع عام مهترئ، متضخم، وعاجز عن الإصلاح.

منذ الانهيار المالي عام 2019، تقلّص الاقتصاد بأكثر من نصف حجمه، وأقفلت آلاف المؤسّسات أبوابها، وصُرِف عشرات آلاف الموظفين، وتراجعت الأجور الفعليّة في القطاع الخاص بفعل انهيار العملة وارتفاع الأسعار. لم يحصل موظفو الشركات الخاصة على “تصحيحات” منتظمة تواكب التضخم، بل تكفلت السوق وحدها بإعادة تحديد الرواتب وفق قدرة كل مؤسّسة على الصمود. من استطاع دفع زيادات فعل، ومن عجز أقفل أو خفض عدد عمّاله وموظفيه. هكذا تعمل قواعد الاقتصاد.

في المقابل، بقي القطاع العام، على تضخمه وترهّله، صحيح أن رواتب موظفي الدولة تآكلت بفعل التضخم، لكن الحل الذي يُطرح في كلّ مرة هو زيادة بدلات ومساعدات وإضافات تمويلية من دون أي إصلاح جذريّ في حجم الإدارة، أو إعادة هيكلة للمؤسسات العامة، أو ربط الأجر بالإنتاجية.

هنا يكمن جوهر المشكلة: الدولة، بدل أن تعيد هيكلة نفسها، تلجأ إلى أسهل الحلول، تحميل الفاتورة للقطاع الخاص. تُرفع الرسوم الجمركية، تُعدَّل بدلات الطوابع، تُضاعَف الضرائب غير المباشرة، وتُشدَّد الجباية. في النتيجة، التاجر والصناعيّ وصاحب المؤسسة الصغيرة والمتوسطة هم من يسدّدون كلفة “تصحيح” لم يحصلوا هم أنفسهم عليه. إنها عملية نقل للموارد من منتِج يعاني إلى جهاز إداري لم يُصلَّح ولم يعد صالحًا.

لا يمكن إنكار حق موظفي القطاع العام بعيش كريم، لكن العدالة تقتضي أن يكون أي تصحيح جزءًا من خطة شاملة تعيد التوازن إلى المالية العامة. لا يعقل أن يُطلب من شركة تكافح لتأمين الرواتب بالدولار الطازج أن تموّل، عبر الضرائب، زيادات غير مرتبطة بإصلاح إداري حقيقي. ولا يمكن الاستمرار في منطق أن الدولة ربّ عمل أكبر من طاقة الاقتصاد.

إن استمرار الضغط على القطاع الخاص يهدّد ما تبقى من فرص العمل. في نهاية المطاف، يخسر الجميع: الدولة التي تتراجع إيراداتها على المدى المتوسط، والموظف العام الذي تبقى زيادته مهدّدة بالتضخم، والموظف الخاص الذي يدفع الثمن مرتين، مرة كمكلَّف، ومرة كعامل لم ينل تصحيحًا عادلًا.

المطلوب ليس مواجهة بين قطاعين، بل إعادة صياغة الأولويات. الإصلاح يبدأ بحصر حجم القطاع العام، ووقف التوظيف السياسي.

بعد سنوات من الانهيار، لم يعد مقبولًا أن يبقى القطاع الخاص خزينة مفتوحة لتغطية عجز مزمن. العدالة الاجتماعية لا تتحقق بقرارات شعبوية قصيرة الأمد، بل بإصلاح عميق يعيد التوازن بين من ينتج ومن ينفق. وإلا سنبقى ندور في الحلقة نفسها: قطاع خاص يضعف أكثر، ودولة تزداد هشاشة.

قطاع خاص منهك يموّل قطاعًا عامًا مهترئًا .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...