انتهى اليوم الأول من مباحثات تستمر يومين بين أوكرانيا وروسيا بوساطة أميركية في جنيف، وفق ما أفاد مصدر مقرّب من الوفد الروسي الثلاثاء.
وقال المصدر مشترطاً عدم كشف هويته “هذا كل شيء لليوم”.
وأوضح رئيس الوفد الأوكراني المفاوض “أنّنا ناقشنا مع الأميركيين والروس القضايا العملية والقرارات المحتملة”.
“تسليم الأراضي”
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن “الشعب الأوكراني لن يقبل اتفاق سلام يتطلّب تسليم الأراضي التي لا تزال تحت سيطرة كييف في منطقة دونباس لروسيا”، مضيفاً أن “مثل هذا الاتفاق سيُرفض في استفتاء شعبي يجب أن يجرى قبل الموافقة على أي تسوية.
واعتبر في حديث لموقع “أكسيوس” أن “أي حل عادل للسلام يجب أن يحفظ سيادة أوكرانيا ولا يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نصراً أحادياً”.
وأشار أيضاً إلى إمكانية إجراء انتخابات رئاسية بالتزامن مع الاستفتاء، لكن ذلك يعتمد على الظروف الأمنية ووقف إطلاق النار.
وأردف: “قضية دونباس ليست مسألة جغرافيا فحسب، بل مسألة مواطنين وأرض وعلم وهوية. لا يمكننا ببساطة أن نتخلّى عن جزء من بلادنا وكأن الأمر تفصيل تفاوضي. أي تسوية تمسّ سيادتنا أو حقوق مواطنينا لن تمرّ من دون أن تُعرض عليكم في استفتاء ديمقراطي، لأن القرار النهائي هو لكم. نحن منفتحون على أي مسار جاد يوقف الحرب ويحقن دماء شعبنا. ناقشنا أفكاراً تتعلق بوقف إطلاق النار، وبإجراءات متبادلة لخفض التصعيد، وحتى بترتيبات مؤقتة على خطوط التماس. لكن السلام الدائم لا يمكن أن يقوم على منطق منح النصر بالقوة، ولا على فرض تنازلات أحادية الجانب”.
وأردف: “أؤمن بأن الطريق إلى حل حقيقي يتطلّب مفاوضات مباشرة وصريحة، على أعلى مستوى، وبضمانات واضحة. نريد آلية رقابة موثوقة لأي وقف لإطلاق النار، ونريد شراكة دولية تضمن استقراره. مستقبل أوكرانيا يقرّره شعبها. وإذا جاءت لحظة يُطرح فيها اتفاق أو تُجرى انتخابات، فالكلمة الأولى والأخيرة ستكون لكم. نحن نقاتل من أجل حريتنا، ومن أجل أن يبقى قرارنا بأيدينا”.
وفي ما يتعلّق بالموقف الأميركي، اعتبر زيلينسكي أنه “ليس من العادل أن يواصل الرئيس الأميركي دعوة أوكرانيا علناً إلى تقديم تنازلات من أجل السلام، من دون توجيه ضغط مماثل إلى روسيا”، آملاً أن تكون تصريحات ترامب “تكتيكاً تفاوضياً لا قراراً نهائياً”.
وفي السياق، شكر زيلينسكي ترامب على جهوده في الدفع نحو إنهاء الحرب، مؤكّداً أن محادثاته مع الوسطاء الأميركيين لا تتضمن الضغوط العلنية نفسها، وأن أي تسوية يجب أن تحظى بدعم الشعب الأوكراني عبر استفتاء.
وعقد المفاوضون جولة جديدة من المفاوضات في جنيف بهدف التوصّل إلى حل يُنهي 4 سنوات من الحرب في أوكرانيا، غداة ليلة من القصف واتّهام كييف لموسكو بتقويض الجهود الدبلوماسية.
وبدأت الوفود الثلاثة محادثات مغلقة عصراً في فندق إنتركونتيننتال، وفق ما أعلن مصدر في الوفد الروسي، في حين حضر إلى جنيف ممثّلون عن ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا.
وأفاد مصدر في الحكومة الإيطالية بأن “محادثات مقرّرة خلال اليوم” ستعقد بين المسؤولين الأوروبيين “والوفدين الأوكراني والأميركي على هامش المفاوضات”.
وأوضح مصدر مطّلع على المحادثات بتواجد “أعضاء في الخلية الدبلوماسية للإليزيه” في جنيف.
على صعيد المحادثات بين ممثلي روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، قال رئيس الوفد الأوكراني وزير الدفاع السابق رستم عمروف إن “المسائل الأمنية والإنسانية مدرجة في جدول الأعمال”، مشيراً إلى أن العمل يجري “بشكل بنّاء” وبعيداً من “التوقّعات المفرطة”.
ولفت المتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إلى أنّه يتعيّن عدم توقّع الإعلان عن نتائج اليوم “لأن من المقرّر استئناف العمل غداً”.
ضربات مكثّفة
تستند المفاوضات إلى خطّة أميركية أُعلنت قبل أشهر، وما زالت قضية تقديم كييف تنازلات تتعلّق بمساحات من الأراضي مقابل ضمانات أمنية محور النقاشات.
وتتعثّر المفاوضات بشكل خاص بشأن مصير حوض دونباس الصناعي في الشرق الأوكراني. وتطلب موسكو انسحاب القوّات الأوكرانية من منطقة دونيتسك، وهو ما ترفضه كييف.
وحذّر نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف من أن القضايا المتبقية “كبيرة”، وأن لا أحد يمكنه التنبؤ بما ستؤول إليه المفاوضات في جنيف.
قبل ساعات من بدء المحادثات في جنيف، شنّت روسيا ضربات مكثّفة على أوكرانيا، وأطلقت ليلاً 396 مسيّرة تم اعتراض 367 منها و29 صاروخاً تم اعتراض 25 منها، وفق سلاح الجو الأوكراني.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي “إنّها ضربة محسوبة لتسبّب أكبر قدر من الأضرار الممكنة على قطاع الطاقة عندنا”، مندّداً بما اعتبره “ازدراء روسيا لجهود السلام”.
وأوضح أن 12 منطقة استُهدفت بهذا الهجوم الذي أسفر عن إصابة تسعة أشخاص وحرم “عشرات الآلاف من الأشخاص” من الماء أو التدفئة في خضم فصل الشتاء في أوديسا، كبرى مدن جنوب أوكرانيا.
في إطار الضغط على كييف، وفي ظل المفاوضات التي تجرى بوساطة أميركية، تكثّف روسيا منذ أسابيع ضرباتها التي تستهدف البنى التحتية الأوكرانية.
وقتل ثلاثة عاملين في محطة لتوليد الطاقة الحرارية الثلاثاء في ضربة بمسيّرة روسية قرب مدينة سلوفيانسك الصناعية، وفق ما أفادت السلطات الأوكرانية.
في المقابل، قالت وزارة الدفاع الروسية صباح الثلاثاء إنّها أسقطت ليلاً أكثر من 150 مسيّرة أوكرانية كانت تستهدف مناطق عدّة من بينها منطقة البحر الأسود.
وشنّ الجيش الأوكراني هجوماً مضاداً لم يسبق له مثيل منذ العام 2023، واستعاد بين يومي الأربعاء والأحد 201 كيلومتر مربع كان الجيش الروسي يسيطر عليها، وذلك وفق تحليل أعدّته وكالة “فرانس برس” استناداً إلى بيانات معهد دراسة الحرب في الولايات المتحدة.
“شروط سياسية”
تشكّل المحادثات في جنيف استكمالاً لجولتي تفاوض عقدتا في أبوظبي لم يُحرز فيهما أي تقدّم فعلي.
ويمارس الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغطاً للتوصّل إلى حل سياسي لهذا النزاع الذي اندلع في الغزو الروسي الواسع النطاق لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022.
وقال ترامب الإثنين للصحافيين “من الأفضل لأوكرانيا أن تأتي إلى طاولة المفاوضات، وبسرعة”.
ودعا ترامب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأسبوع الماضي إلى “التحرّك”، مؤكّداً أن روسيا ترغب في إبرام اتفاق.
من جهّة أخرى، شكك زيلينسكي مراراً في رغبة الكرملين في التوصّل إلى حل سياسي.
وكتب الإثنين على مواقع التواصل “حتى عشية الاجتماعات الثلاثية، لم يتلقَ الجيش الروسي تعليمات سوى بمواصلة ضرب أوكرانيا”، مضيفاً “هذا يشي بالكثير عن نظرة روسيا للجهود الدبلوماسية”.
واعتبر أن “الضغط الكافي على روسيا والضمانات الأمنية الواضحة لأوكرانيا هما فقط ما يتيح إنهاء هذه الحرب”.
واستبعد زيلينسكي السبت، في مؤتمر ميونيخ للأمن، تنازل بلاده عن مساحات من أراضيها لروسيا التي كانت تسيطر في منتصف الشهر الجاري على 19,5 % من الأراضي الأوكرانية، وقال “بكل بساطة، لا يمكننا الانسحاب من أراضينا، أو مبادلة جزء منها بجزء آخر، هذا جنون”.
وشنّت روسيا في الأشهر الأخيرة سلسلة غارات كثيفة دمّرت شبكة الطاقة الأوكرانية في فصل الشتاء القارس.
انتهاء اليوم الأول من المفاوضات بشأن أوكرانيا… وهذا ما قاله زيلينسكي .






