لا يناور رئيس مجلس النواب نبيه بري في اعتراضه العنيف على فتوى هيئة التشريع والاستشارات، والقاضية بأنّ للمغتربين الحق في التصويت للمقاعد الـ128، وليس لمقاعد «الدائرة 16». وخلافاً للقراءات السطحية التي تتهم «الثنائي الشيعي» بالرغبة في التمديد للمجلس الحالي، يبدو الرئيس بري اليوم أكثر المستعجلين لفتح صناديق الاقتراع في أيار. بل هو يريد الانتخابات الآن وليس غداً إذا أمكن، لأنّ النزاع حول موعد هذه الانتخابات يترجم المعركة الشرسة لتأمين «الشرعية الأخيرة»، قبل أن تتبدّل موازين القوى على الأرض، وهي حتماً آيلة إلى التبدّل، في المدى القريب أو المتوسط.
منطلق «الثنائي» في التمسك بأيار كموعد للانتخابات هو براغماتي وجودي، وليس دستورياً مجرّداً. فالمجلس النيابي الحالي، الذي وُلد في ذروة نفوذ «حزب الله» وسلطته وحكومته، يمثل الدرع القانوني الأخير للسلاح. وإجراء الانتخابات الآن، في ظل استمرار فاعلية الماكينة التنظيمية والعسكرية لـ «الحزب»، يضمن لـ»الثنائي» ما يأتي:
1- تجديد التفويض، من خلال حصد المقاعد الشيعية كاملة، قبل أن تتوغل التغييرات الإقليمية في البيئة الحاضنة وتترك مفاعيلها.
2- تحصين رئاسة المجلس، بقطع الطريق على أي اختراق قد يؤدي إلى وصول شخصية شيعية من خارج «الثنائي» إلى سدّة الرئاسة الثانية، وهو ما يمثل فقدان الورقة السياسية الأقوى في هيكلية الدولة.
3- تجميد الواقع، أي ضمان ولاية أخرى، مدتها 4 سنوات، توفر غطاءً تشريعياً لاستمرار النفوذ داخل الدولة ومواجهة أي عملية تفاوض حول السلاح، بحيث يكون الحزب شريكاً في القرار الرسمي من موقع القوة النيابية وداخل الحكومة وحتى موقع رئاسة الجمهورية المقبلة.
طبعاً، وفي شكل مبدئي، يخشى «الثنائي» «تسونامي» المغتربين إذا تمّ إعطاؤهم الحق في التصويت للـ 128 نائباً. فهو يؤدي إلى إدخال مئات آلاف الأصوات «غير المنضبطة» أساساً، والتي لا يمكن توجيهها لا خلال العملية الانتخابية ولا في أي وقت آخر. وهذا المتغيّر قد يكسر التوازنات، خصوصاً في الدوائر المختلطة، ما يؤدي إلى خسارة الغالبية التي يتمتع بها «الحزب» وحلفاؤه حالياً، خصوصاً في ظل غياب تيار «المستقبل» كرافعة تقليدية لبري في بعض التفاهمات الانتخابية. وهذا هو أحد أسرار الجدل الدائر حالياً حول احتمال عودة سعد الحريري وتياره وخوض الانتخابات والعلاقة مع «الثنائي». وعلى رغم من أنّ وزارة الخارجية تدار من موقع خصم، فقد نجح «الثنائي» في «تنفيس» الزخم الاغترابي نحو تسجيل الأسماء، في مناخ من التشكيك والإرباك، فلم يتجاوز العدد 152 ألف مسجل.
الاتجاه الراجح لملف الانتخابات يبدو اليوم في أيدي خصوم «الحزب» الخارجيين، الأميركي والأوروبي والعربي. فهؤلاء لا يُظهرون أي حماسة للاقتراع في أيار، إلّا إذا حصل تسريع غير متوقع في إنجاز ملف السلاح خلال أسابيع قليلة. وفي أي حال، وفقاً لهؤلاء، إن إجراء الانتخابات فيما السلاح لا يزال يمتلك مفاعيله المادية والمعنوية يعني إعادة استنساخ السلطة الحالية وإعطاءها شرعية دولية لأربع سنوات أخرى. لذا، قد يكون «التعطيل التقني» مصلحة دولية وإقليمية تهدف إلى إتاحة المجال لتفكيك البنية التحتية للسلاح، فتتمّ المماطلة في المواعيد ريثما ينضج مسار نزع السلاح أو احتوائه كلياً، فتجرى الانتخابات في لحظة يكون فيها الحزب قد خسر «فائض القوة»، ما يسمح ببروز قوى شيعية بديلة قادرة على المنافسة في بيئة متكافئة سياسياً، فتتغيّر قواعد اللعبة. والتأجيل لبضعة أشهر أو عام قد يغيّر الخريطة السياسية كلياً، ويجعل صندوق الاقتراع قادراً على تثبيت الواقع الجديد الذي تمّ فرضه ميدانياً وسياسياً.
لذلك، هناك سباق محموم: الرئيس بري يريد تثبيت «الستاتيكو»، والمجلس النيابي الحالي، قبل أن تتبدّل الرياح. فيما الخصوم يريدون تبدّل الرياح أولاً ثم الذهاب إلى الصناديق. والجمود الذي قد يشهده الملف الانتخابي في الأسابيع الآتية هو انعكاس لانتظار نتائج المعركة الكبرى: هل يسبق الاقتراع عملية نزع السلاح أو حصره أو احتوائه، أم إنّ السلاح سيسقط أولاً ليخرج من صناديق الاقتراع مجلس بمواصفات جديدة، ينتج دولة بمواصفات مختلفة كلياً؟
لا انتخابات… السلاح أولاً! .








