وكأنّ الانفجار لم يكن فقط في الشارع، بل في الزمن نفسه. انقسمت الذاكرة إلى ما قبل 14 شباط 2005 وما بعده. يومها لم يُغتل رجلٌ فقط، بل انقطعت سردية كاملة عن لبنان.
حين نذكر رفيق الحريري اليوم، لا يكفي أن نقول إنه رئيس حكومة سابق. قصته كانت أشبه بمحاولة إعادة كتابة بلد خرج من حرب أهلية طويلة وهو يفتّش عن نفسه بين الركام.
كان بيروت في أوائل التسعينيات مدينةً بلا ملامح. حجارة سوداء، مبانٍ مهدّمة، اقتصاد مفكّك، وثقة مفقودة. جاء الرجل بفكرة بدت للبعض مغامرة، ولآخرين حلماً: إعادة الإعمار ليست إسمنتاً فقط، بل رسالة سياسية تقول إن لبنان يمكن أن يعود.
لم يكن وسط بيروت مشروع عقارات فحسب. كان إعلاناً بأن العاصمة لن تبقى ذاكرة حرب. أرادها واجهة مالية وسياحية، نافذة على العالم، ومختبراً لفكرة لبنان المنفتح.
لكن الحكاية لم تكن عمراناً فقط. كانت أيضاً استثماراً في الإنسان. آلاف المنح الجامعية، داخل لبنان وخارجه، صنعت جيلاً من المتخصصين والمهنيين. كان يؤمن أن الثروة الحقيقية ليست في الأرض، بل في العقول.
اقتصادياً، رسم نموذجاً واضحاً: لبنان الخدمات، لبنان المصارف، لبنان الجسر بين الشرق والغرب، لبنان الذي يعيش على الثقة، وعلى قدرته في جذب الرساميل، وعلى شبكة علاقاته العربية والدولية. باريس 1 و2 و3 لم تكن مؤتمرات تمويل فقط، بل كانت محاولة لإبقاء البلد متصلاً بشبكة أمان دولية.
هل كان النموذج مثالياً؟ لا. الديون ارتفعت. الاعتماد على القطاع المالي تعمّق. الإصلاحات البنيوية بقيت ناقصة، من الكهرباء إلى الإدارة العامة. لكن في تلك المرحلة، كان هناك اتجاه واضح، بوصلة اقتصادية، ومركز قرار قادر على جمع التناقضات حول مشروع واحد.
ثم جاء الانفجار.
في لحظة، تحوّل الرجل إلى ذاكرة. وتحولت الساحات إلى موجة بشرية تطالب بتغيير أكبر من الأفراد. بدا وكأن لبنان يقف على عتبة إعادة تأسيس. لكن النوافذ التي تُفتح في التاريخ لا تبقى مفتوحة طويلاً. سرعان ما عاد الانقسام، وتكسّرت اللحظة.
ماذا خسر لبنان في غيابه؟
خسر مرجعية اقتصادية موحِّدة.
خسر القدرة على مخاطبة العالم بلغة واحدة.
خسر هامش الثقة الذي كان يسمح له بالاستدانة بشروط أفضل، وباستقطاب سياح ومستثمرين كانوا يرون في بيروت قصة نهوض لا قصة انهيار.
والأهم، خسر السردية.
بعد 2005، لم يُستبدل النموذج بنموذج أفضل. لم تُصحَّح الاختلالات بطريقة مؤسسية. بل تعمّقت الهشاشة. تضخّم الدين من دون إصلاح. توسّع القطاع المصرفي من دون اقتصاد منتج يوازيه. تآكلت الثقة بالتدريج، إلى أن انهار كل شيء دفعة واحدة في 2019.
اليوم، ونحن ننظر إلى ودائع مجمّدة، وعملة منهارة، ومؤسسات مترهّلة، نسأل أنفسنا: هل المشكلة كانت في الرجل، أم في أننا لم نطوّر التجربة إلى مرحلة أكثر نضجاً؟
ربما التذكّر الحقيقي لا يكون بتقديس المرحلة ولا بشيطنتها، بل بطرح السؤال المؤلم: لماذا لم ننجح في إنتاج صيغة توازن بين إعادة الإعمار والاستدامة؟ بين الانفتاح والسيادة؟ بين الاستدانة والنمو الحقيقي؟
رفيق الحريري كان مشروعاً بقدر ما كان شخصاً. والمشاريع تموت حين لا تجد من يطوّرها.
بعد واحد وعشرين عاماً، لم يعد السؤال ماذا نتذكّر عنه فقط، بل ماذا تعلّمنا من غيابه. لأن لبنان، منذ ذلك اليوم، لم يكتب بعد فصله التالي.
مرّ واحد وعشرون عاماً. .









