مساران قضائيان، انضما حديثاً إلى الملف الانتخابي، ومن شأنهما إما وضع خارطة طريق تساهم في تكريس إجراء الانتخابات في موعدها بعد نزع الألغام التي لا تزال تعتريها، وإما أضافة المزيد من التعقيدات، الأمر الذي سيؤدي حكماً إلى تأجيل الاستحقاق والتمديد لمجلس النواب.
لا أحد يملك جواباً حاسماً عما ستؤول إليه الأمور. كفّة إجراء الانتخابات في موعدها توازي أهمية وثقلاً، كفة تأجيلها. لا تفاهم سياسياً حتى الآن، بدليل رفض الحكومة وضع المراسيم التطبيقية للفصل 11 من قانون الانتخابات والمتصل باقتراع غير المقيمين على الأراضي اللبنانية، كما رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري فتح أبواب البرلمان لتعديل القانون وتفكيك العقد التي تحول دون إجراء انتخابات مطعون بشرعيتها.
حتى الآن، يصرّ رئيس الجمهورية جوزاف عون لإجراء الاستحقاق، كذلك يراها الثنائي فرصة لتحصين البيت الشيعي نيابياً. وها هو الرئيس بري يتقدّم بترشيحه ليكون الاسم الأول في سجل المرشحين اللبنانيين، ليثبت بالدليل القاطع أنّه مستعجل لإجراء الاستحقاق في موعده، ويقطع الطريق على من يتهمه بالمناورة، والبحث تحت الطاولة عن تخريجة تؤدي إلى تمديد عمر البرلمان.
رغم ذلك، التمديد لا يزال خياراً قوياً، شرط أن يكون لسنتين، كما يرى بري. لهذا، كل السيناريوهات محتملة. الكتل النيابية تفضّل الهروب من الاستحقاق ولكن أياً منها لا يتجرأ الخوض في غمار قانون التمديد. من هنا، قد يكون الانخراط القانوني المستجد، المخرج المتاح، والذي يبحث عنه الجميع، للخوض في “محرّم” التمديد.
الذهاب إلى هيئة التشريع
لكن هذا الوضع المتشابك لم يمنع وزير الداخلية أحمد الحجار من القيام بواجباته، فوقّع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة ثم أصدر تعميماً حدد فيه مهل تقديم التراشيح وسحبها. لكن هذه الخطوة زادت الأمور تعقيداً كونه استثنى المقاعد الستة التي يفترض استحداثها في الدائرة 16 الخاصة بغير المقيمين، ما دفعه إلى التوجّه إلى هيئة التشريع والاستشارات لسؤالها عن امكانية تعليق الدائرة 16، واستطراداً عن مصير الناخبين غير المقيمين الراغبين بالاقتراع وقاموا بتسجيل أسمائهم، وبلغ عددهم حوالي 144 ألف ناخب.
في هذه الأثناء كان رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل يلوّح بالذهاب إلى مجلس مجلس شورى الدولة للطعن بتعميم وزير الداخلية الذي يحدد مهل تقديم تصاريح التراشيح واللوائح والذي يقول إنّ فتح باب تقديم تصاريح الترشيح للمقاعد الـ6 متعذّر حتى تاريخه.
إذاً، ثمة تطوران قانونيان قد يفرض أحدهما أو الإثنان، مساراً جديداً:
- الاستشارة التي طلبها وزير الداخلية من هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل في ما خصّ الدائرة 16 الواجب استحداثها لتمثيل غير المقيمين.
- الطعن الممكن تقديمه أمام مجلس شورى الدولة بتعميم وزير الداخلية، حيث علم أنّ “تكتل لبنان القوي” وجّه كتاباً إلى وزارة الخارجية بمذكرة ربط نزاع حول تصويت المغتربين قبل التقدم بمذكرة طعن إلى مجلس الشورى الدولة.
وفق المتابعين، الاستشارة المطلوبة لا تقلّ أهمية عن الطعن، ليس لجهة المفاعيل القانونية، كون المجلس يصدر قراراً قضائياً، فيما استشارة الهيئة غير ملزمة، بل في الاستناد إليها لخرق الجمود الحاصل.
في ما خصّ هيئة التشريع، يرجّح المتابعون أنّ يأتي الجواب لمصلحة تعليق الدائرة 16، وبالتالي السماح لغير المقيمين بالاقتراع للنواب الـ128، ولكن في مراكز اقتراع تفتح لهم في الخارج أي في البعثات الدبلوماسية، أسوة بما حصل في الدورتين السابقتين.
المادة 111
اذ ينصّ القانون في مادته 111 على أنّه “يحق لكل لبناني غير مقيم على الأراضي اللبنانية أن يمارس حق الاقتراع في مراكز انتخابية في السفارات أو القنصليات أو في أماكن أخرى تحددها الوزارة وفقاً لأحكام هذا القانون وبالتنسيق مع وزارة الخارجية والمغتربين”… وبالتالي إنّ تعليق المادة 112 التي تنص على استحداث ستة مقاعد لغير المقيمين موزعة بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، لا يعني تعليق المادة التي تسبقها. وبالتالي هذا سؤدي حكماً إلى الإبقاء على حق غير المقيمين في الاقتراع في الخارج لصالح الـ128 نائباً.
هذه الاستشارة، تعني بالسياسية نصف انتصار لـ”القوات” لأنها كرست حق غير المقيمين بالاقتراع في الخارج، ونصف انكسار للرئيس بري المصرّ على تخصيص غير المقيمين بالدائرة الـ16. وبالتالي، الاستشارة قد تزيد الأمور تعقيداً.
ما بعد الطعن
أما بالنسبة للطعن، في حال تقديمه، فقد يفتح الباب أمام أكثر من احتمال:
- أن يعلّق التعميم الخاص بالمقاعد الستة كونها غير قائمة أصلاً، وهو احتمال كبير، وبالتالي فتح الباب أمام تأكيد إجراء الانتخابات في موعدها بعدما تمّ تعليق العمل بالمقاعد الستة. وكما في الاستشارة، فإنّ حكم الشورى قد يسمح لغير المقيمين في الاقتراع في الخارج ولصالح النواب الـ128.
- أن يطلب مجلس شورى الدولة من الحكومة وضع المراسيم التطبيقية للدائرة 16، الأمر الذي يرفع من منسوب الاشتباك القانوني.
- أن يبطل تعميم وزير الداخلية بشكل كامل، وهو أمر مستبعد، كون التعميم الخاص بالمقاعد الـ128 سليماً، فيما الشائبة ملتصقة بالمقاعد الستة فقط. إلّا أنّ هذا القرار في حال وقوعه، يعني تعطيل الانتخابات بشكل كامل. وبالتالي، ستكون الحكومة في حينه مضطرة لاتخاذ إجراء ما بعدما أوقفت اندفاعتها بحكم قضائي، أو يبادر مجلس النواب لالتقاط الطابة، ولكن للذهاب نحو التمديد نتيجة التعقيدات الحاصلة.
إذاً، فرصة اجراء الانتخابات في موعدها لا تزال تساوي فرصة تعطليها. الاستشارة المنتظرة قد تكون مخرجاً لمعالجة التعقيدات، وتكريس الانتخابات كأمر واقع لا يمكن الهروب منه. لكنها قد تكون عذراً لانقضاض مجلس النواب على الاستحقاق، والتمديد لنفسه، تحت عنوان أنّ الحكومة تجاوزت صلاحيتها في تعديل القانون أو تعليق احدى مواده…
انتخابات بلا قانون بانتظار هيئة التشريع .










