العدالة للشهيد رفيق الحريري اصطدمت بالواقع السياسي، فالمتهمون لم يُسلَّموا، ولم يُعتقل أي منهم، وبقيت الأحكام حبرًا على ورق من الناحية التنفيذية. رفض “الحزب” الاعتراف بشرعية المحكمة، واعتبرها مسيّسة، وأعلن بوضوح أنه لن يسلّم أيًا من أفراده. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما قيمة حكمٍ لا يُنفَّذ؟ وهل تتحقق العدالة بمجرد صدور القرار القضائي، أم أنّ تنفيذ العقوبة شرطٌ لاكتمالها؟
في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يعود السؤال المؤلم نفسه: هل تحققت العدالة فعلًا؟ أم أنّ الحقيقة بقيت يتيمة في بلدٍ اعتاد أن تُدفن فيه الجرائم الكبرى تحت الركام؟
في 14 شباط 2005، دوّى الانفجار في بيروت، فهزّ لبنان والمنطقة والعالم. لم يكن اغتيال الحريري حدثًا أمنيًا عابرًا، بل محطة مفصلية أعادت رسم المشهد اللبناني والإقليمي. خرج مئات الآلاف إلى الشوارع مطالبين بالحقيقة، وانطلقت مسيرة قضائية طويلة تُوِّجت بإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان بقرار من مجلس الأمن الدولي، لتكون أول محكمة دولية تنظر في جريمة إرهابية محددة.
بعد سنوات من التحقيقات وجمع الأدلة والاستماع إلى الشهود، أصدرت المحكمة في عام 2020 حكمها في القضية. خلص القرار إلى إدانة أحد المتهمين الرئيسيين، وهو سليم جميل عياش، (القيادي في حزب الله) وبرّأت آخرين لعدم كفاية الأدلة. لاحقًا، ثبّتت غرفة الاستئناف الحكم وأدانت متهمين إضافيين، مؤكدة أنّ العملية كانت منسقة ومعقدة، واستندت إلى شبكة اتصالات وتحركات دقيقة سبقت الجريمة.
لكن العدالة اصطدمت بالواقع السياسي. فالمتهمون لم يُسلَّموا، ولم يُعتقل أي منهم، وبقيت الأحكام حبرًا على ورق من الناحية التنفيذية. رفض حزب الله الاعتراف بشرعية المحكمة، واعتبرها مسيّسة، وأعلن بوضوح أنه لن يسلّم أيًا من أفراده. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما قيمة حكمٍ لا يُنفَّذ؟ وهل تتحقق العدالة بمجرد صدور القرار القضائي، أم أنّ تنفيذ العقوبة شرطٌ لاكتمالها؟
من الناحية القانونية، المحاكمة الغيابية التي اعتمدتها المحكمة تُعدّ إجراءً استثنائيًا لكنه معترف به في أنظمة قانونية عدة، خصوصًا حين يتعذّر توقيف المتهمين. وقد أتاحت هذه الآلية كشف الحقيقة القضائية وتسمية المسؤولين، وهو بحد ذاته إنجاز في سياق لبناني طالما عانى من الإفلات من العقاب. فكم من الاغتيالات السياسية مرّت بلا تحقيق جدي، وكم من الملفات أُقفلت بلا محاسبة؟
إلا أنّ العدالة لا تكتمل بالشق القضائي وحده. فهي تحتاج إلى إرادة سياسية داخلية تُترجم الأحكام إلى إجراءات تنفيذية. في حالة لبنان، تبدو هذه الإرادة غائبة أو مكبّلة بتوازنات داخلية دقيقة. فحزب الله متمرد على الدولة، ما يجعل أي محاولة لتوقيف عناصر منه مسألة شديدة التعقيد، وربما محفوفة بمخاطر الاستقرار الداخلي.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أنّ العدالة الدولية غالبًا ما تصطدم بحدود السيادة الوطنية وموازين القوى. فالمحكمة لا تملك قوة تنفيذية مستقلة، وتعتمد على تعاون الدول. وإذا امتنعت الدولة المعنية عن التنفيذ، تبقى الأحكام قائمة من الناحية القانونية لكنها غير منفذة عمليًا. وهنا تكمن المعضلة: بين حقيقة قضائية مثبتة، وواقع سياسي يعرقل تطبيقها.
فمتى تتحقق العدالة؟ هل يكون ذلك بتسليم المحكومين إلى القضاء، أم أنّ الزمن كفيل بإحداث تبدلات سياسية تسمح يومًا ما بإعادة فتح الملف على مستوى التنفيذ؟ التاريخ يُظهر أنّ العدالة قد تتأخر لكنها لا تسقط بالتقادم المعنوي. كثير من الجرائم الدولية احتاجت عقودًا قبل أن يُلقى القبض على مرتكبيها. غير أنّ انتظار الزمن ليس استراتيجية، بل رهان على تحولات غير مضمونة.
في الذكرى الحادية والعشرين، قد تكون العدالة الجزئية قد تحققت بكشف الحقيقة وتسمية المسؤولين. لكن العدالة الكاملة ما زالت معلّقة بين قرار قضائي نافذ نظريًا، وواقع سياسي يعطّل تنفيذه. يبقى السؤال مطروحًا على الدولة اللبنانية أولًا: هل تملك الشجاعة لتطبيق التزاماتها الدولية؟ وعلى المجتمع الدولي ثانيًا: هل يكتفي بإصدار الأحكام، أم يسعى إلى آليات ضغط تضمن تنفيذها؟
اغتيال رفيق الحريري لم يكن استهدافًا لشخص فحسب، بل لمرحلة سياسية كاملة. والحكم الصادر عن المحكمة وضع حدًا لمرحلة الشكوك، لكنه لم ينهِ معركة العدالة. في نهاية المطاف، العدالة ليست انتقامًا، بل تثبيتًا لمبدأ أنّ الجريمة لا تمرّ بلا حساب. وبين الحقيقة التي كُشفت، والعدالة التي لم تكتمل، يبقى لبنان أمام اختبار دائم: هل يريد دولة قانون، أم يستسلم مرة أخرى لمنطق القوة؟
٢١ سنة على الحقيقة.. في أيّ سنة العدالة؟ .










