انتخابات 2026: “الحزب” يستفتي طائفته على سلاحه

بعد دعوة الهيئات الناخبة وفتح باب الترشّح وإمهال المرشّحين مهلة قصوى للانضواء في لوائح وإطلاق الأحزاب ماكيناتها، غدت انتخابات 2026 في أيّار على الأبواب كأنّها حاصلة حتماً في هذا الموعد. يتوالى ذلك كلّه دونما أن يطرأ أيّ حلّ للإشكاليّات القانونيّة العالقة في قانون الانتخاب، كما لو أنّه لا يمتّ بصلة إلى الاستحقاق. لا أحد من المسؤولين في الحكومة ومجلس النوّاب، ولا من الأفرقاء، يملك حتّى الآن جواباً عن سبل تذليل الإشكاليّات هذه، وتسهيل إمرار انتخابات نيابيّة لا تكون عرضة للطعن، كأنّنا أمام انتخابات بلا قانون انتخاب.

 

قيل أخيراً إنّ إجراء انتخابات 2026 بمعزل عن مخالفتها قانون الانتخاب، وتالياً تجاوز أحكامه باسم الأمر الواقع، تكفل نتائجها فرض شرعيّتها على أنّها تعبّر عن الإرادة الشعبيّة. المثال المُعطى لهذا التبرير انتخابات 1992. رفض المسيحيّون قانونها الملتوي وقاطعوا توقيتها وإجراءها، إلا أنّها حصلت في الموعد المحدّد لها وأفضت نتائجها إلى الاعتراف بالبرلمان المنتخَب. قيل عنها آنذاك إنّها انتخابات غير شرعيّة لكن قانونيّة، تجاهلت إرادة شريحة كبيرة وأساسيّة من اللبنانيّين بامتناعها عن المشاركة فيها، بيد أنّها احترمت أحكام القانون النافذ، بشوائبه، وطبّقتها، فأكمل ذلك البرلمان ولايته  من دون نقصان.

يجهرون بالاستعجال؟

لانتخابات 2026 تبعاً لما يُعدّ لها واقع مختلف تماماً ومناقض. تُقبل عليها الأحزاب والقوى كلّها بلا تحفّظ، وتتحضّر لتحالفاتها، فيما قانون الانتخاب النافذ مشوب بعيوب تحيله إشكاليّة معقّدة يصعب سريانه على الاستحقاق الوشيك، سواء بالنسبة إلى انتخاب ستّة نوّاب قارّيّين، وتالياً رفع عدد أعضاء مجلس النوّاب إلى 134 نائباً للدورة المقبلة فقط، أو بالنسبة إلى اقتراع الانتشار في السفارات والقنصليّات، أو بالنسبة إلى البطاقة الإلكترونيّة الممغنطة. كلّ الأحاديث الدائرة حول انتخابات 2026 مفادها أنّها ستُجرى كيفما كان كما لو أنّه لا قانون انتخاب يرعى آليّة حصولها. مؤدّى ما سيحصل بفعل الأمر الواقع أنّ البرلمان المقبل سيكون من 128 نائباً لا من 134 كما يقول القانون، والاغتراب سيقترع على الأراضي اللبنانيّة لا في صناديق السفارات والقنصليّات كما في النصّ.

الأفرقاء منقسمون من حول القانون ويصعب تفاهمهم على أيّ صيغة مقترحة لتعديله، وفي الوقت نفسه يجهرون باستعجالهم إجراء الانتخابات، وكلّ واحد منهم يتصرّف على أنّه سيخرج منها بحصّة وازنة.

طرفان اثنان يختصران اللاعبين اللبنانيّين جميعاً: الثنائيّ الشيعيّ وحلفاؤه، ومعارضوهما وحلفاؤهم. كلاهما يريد انتخابات كيفما كان قانونها ومهما بلغت إشكالاته القانونيّة، على أن تحصل في الموعد المحدّد. كلاهما أيضاً يريد أن يخرج منها على صورة ما تلا انتخابات 2005 من قلب موازين القوى رأساً على عقب. رهان الثنائيّ الشيعيّ الإبقاء على احتفاظه بالمقاعد الشيعيّة الـ27 بغية الإمساك بعنق النظام، وامتلاكه قرار النقض في كلّ استحقاق يليها بواسطة ثلث معطّل يعملون عليه مع “حلفاء” دون نجاح حتى الآن. في المقابل يُعوِّل معارضوه على تمكّنهم من إفقاده مقعداً أو أكثر على الأقلّ لكسر احتكاره تمثيل الطائفة، وتبعاً لذلك كسر ذريعة الميثاقيّة، ولفرض منطق انقسام البرلمان بين غالبيّة وأقليّة. بذلك تبدو انتخابات 2026 كأنّها تدور من حول معضلة واحدة هي “الحزب” بالذات.

مع أنّ الثنائيّ الشيعيّ لا يزال قابضاً على النوّاب الـ27 في البرلمان الحاليّ (26 نائباً لـ”الحزب” وحركة أمل + جميل السيّد)، بيد أنّ “الحزب” أكثر الأفرقاء حاجة إلى الذهاب إلى استحقاق أيّار إذا حصل، وذلك للأسباب التالية:

  • تيقّنه أوّلاً من مقدرته على الاحتفاظ بالمقاعد الـ27 نفسها. الاتّجاه السائد لديه، في ما يعدّ له لانتخابات أيّار، أنّه لن يُرشّح إلّا حزبيّين في صلب التنظيم بما في ذلك المقعد الشيعيّ في جبيل. أضف تعويله على حلفاء في طوائف أخرى. هم قاعدته الصلبة في استمراره أكثر من شريك في النظام والسلطة يملك أن يسمح وأن يمنع.
  • التفاف طائفته من حوله أكثر من أيّ وقت مضى، وتحوّلها الملاذ الذي يتطلّبه لحماية موقعه والنفاذ من الحصار الذي يطبق عليه داخليّاً وخارجيّاً، وهو ما لم يكن كذلك قبل الحرب الأخيرة مع إسرائيل. إذ كانت الطائفة هي التي تلوذ به للوصول إلى مكاسبها وحصصها، لا العكس.

السّلاح لحماية الشّيعة؟

  • تكريس شرعيّته معزّزة على رأس طائفته بعد الضربات الموجعة التي ألحقتها به الحرب الإسرائيليّة وتداعياتها، بدءاً بانكسار آلته العسكريّة، مروراً باغتيال قادته وخصوصاً أمينه العامّ الأسبق السيّد حسن نصرالله، وصولاً إلى خروجه من جنوب نهر الليطاني ومغادرته عمليّاً المواجهة المباشرة مع إسرائيل بإبعاده عن خطوط التماسّ معها. 27 مقعداً شيعيّاً جديداً للثنائيّ ستتلازم حتماً مع رئاسة البرلمان للرئيس نبيه برّي. مؤدّى ذلك بعد كلّ الانهيار أنّه لم يخسر أحداً، ولا هو فقد شيئاً أو انتُزع منه.
  • وثوقه من احتفاظه بالأرقام التفضيليّة نفسها التي حازها في انتخابات 2022 على الأقلّ. خلافاً لتلك، ولم تكن اندلعت حربه مع إسرائيل، اقترع ناخبو الطائفة في الانتشار في صناديق السفارات والقنصليّات، فيما يتمسّك اليوم وحليفه رئيس البرلمان بالاقتراع في صناديق على الأراضي اللبنانيّة، مسرح الدمار والاستهداف والخطر الذي يتهدّد “الحزب”. عام 2022 تقدّم الأحزاب اللبنانيّة جميعاً بالأصوات التفضيليّة التي نالها: 356 ألفاً و122 صوتاً، فيما نالت حركة أمل 191 ألفاً و142 صوتاً. كلاهما جمَعا 547 ألفاً و264 صوتاً تفضيليّاً. “الحزب” الذي تلاهما هو حزب القوّات اللبنانيّة بفارق كبير هو 203 آلاف و296 صوتاً تفضيليّاً.
  • ليس المقصود بالسيطرة على 27 مقعداً شيعيّاً جديداً للثنائيّ سوى الذهاب إلى استفتاء على هامش الانتخابات، يريده “الحزب” لنفسه، ولا يكتفي فيه بمقاعد مجلس النوّاب، بل يضيف إليها شرعيّة الإبقاء على سلاحه بتفويض كامل من طائفته والإصرار عليه. أضحى يعنيها أكثر من كونه مقاومة للعدوّ، بل بات في صلب عقيدة كيانها ومصدر حمايتها، في مرحلة وطنيّة لبنانيّة فقد سلاح “الحزب” كلّ نصاب سياسيّ له عند الطوائف والقوى الأخرى، ناهيك بالدولة اللبنانيّة التي كانت أوّل مَن جرّده من وظيفته.

انتخابات 2026: “الحزب” يستفتي طائفته على سلاحه .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...