مرسوم دعوة الهيئات الناخبة الذي صدر في 30/1/2026 أثيرت تساؤلات حول مدى قانونيته في ظل الإشكاليات المتصلة بقانون الانتخاب نفسه وتحديدًا مسألة اقتراع غير المقيمين واستحالة الانتخاب في المقاعد الستة التي خصصها القانون لغير المقيمين. استحالة كانت الحكومة الحالية قد أقرّت بوجودها ما دفعها إلى إقرار مشروع القانون الرامي إلى إلغاء المقاعد المذكورة أرفقته بأسباب موجبة واضحة في هذا الاتجاه.
لم يتضمن المرسوم توزيع المقاعد الاغترابية على القارات، وكانت المادة 112 من قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب قد نصت على ما يلي:
“في المرشحين عن غير المقيمين:
إن المقاعد المخصصة في مجلس النواب لغير المقيمين هي ستة، تحدّد بالتساوي ما بين المسيحيين والمسلمين، موزعين كالتالي: ماروني – ارثوذكسي – كاثوليكي – سني – شيعي – درزي، وبالتساوي بين القارات الست.”
“بالتساوي بين القارات الست”، عبارة تنطوي في الوقت نفسه على مخالفة للدستور وعلى استحالة في التطبيق. قد سبق الحديث في أكثر من مقال عن المخالفة الدستورية، ولا ضير من التذكير بأحد جوانبها المتصلة بالمادة 24 من الدستور التي حدّدت معايير توزيع المقاعد النيابية وفقا للقواعد الآتية:
أ – بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين.
ب – نسبيا بين طوائف كل من الفئتين.
ج – نسبيا بين المناطق.
يحدد قانون الانتخاب دقائق تطبيق هذه المادة.”
هذه القواعد لا يمكن للقانون العادي، كقانون الانتخاب، أن يخالفها وينشئ دائرة انتخابية في القارات، خارج “المناطق” التي تتكون منها الأرض اللبنانية، كما لا يمكن تطبيقها بمراسيم لأنها مادة تشريعية.
مسألةٌ أخرى تتعلق بالقارات التي تحدّث عنها قانون الانتخاب وحدد عددها بستة، تضع تطبيق النص أمام استحالة فعلية. فالقارّات ليست كيانات ذات طبيعة قانونية سياسية أو إدارية دولية يمكن تحديدها أو تحديد عددها وفق معيار واحد متفق عليه.
تقليديًا، تُقسّم المراجع العلمية اليابسة التي تُمثّل ربع سطح الأرض، إلى خمس قارات: أفريقيا، وأمريكا، وآسيا، وأوروبا، وأوقيانيا. يشمل هذا التقسيم القارات المأهولة بالسكان وهو معتمد من المنظمات الدولية إجمالًا وترمز إليه الحلقات الخمس للعلم الأولمبي الرسمي.
يستثني هذا التقسيم القارة القطبية الجنوبية، وهي مساحة شاسعة من الأرض غير المأهولة، يبدو أنّ المشترع اللبناني اعتبرها من عداد القارات التي جعلها ستة، ويقول البعض أن المشترع اللبناني اعتمد ضمنيًا التقسيم الأميركي للجغرافيا والذي يجعل كلًا من الأميركيتين، الشمالية والجنوبية، قارّة من القارات، ما يسمح برفع العدد إلى ستّة.
هذه النيّة التي يريد بعض المفسّرين نسبتها إلى المشترع، لا يمكن افتراضها وهي تطلب منه تعبيرًا صريحًا بموجب تعديل تشريعي، ولا يمكن إطلاقًا أن تترك مسألة من هذا النوع إلى السلطة التنفيذية، كي تقوم بتحديد القارات الست، وتوزيع المقاعد النيابية عليها، لأنه وكما سبقت الإشارة، إن مسألة توزيع المقاعد هي مادّة تشريعية أناطتها المادة 24 من الدستور بالمشترع وحده ولا يمكن لهذا الأخير أن يفوّض أمرًا كهذا للسلطة التنفيذية ولا يمكن لهذه الأخيرة أن تقوم بذلك بتفويض أو دون تفويض وبمرسوم أو قرار وزاري أو بتقرير من لجنة مشتركة من وزارتي الداخلية والخارجية، تحت طائلة الإبطال لتجاوز حدّ السلطة.
مرسوم دعوة الهيئات الناخبة عدّد البلدان التي سيجري الاقتراع فيها في الخارج، تركيا وروسيا مثلًا، وكلاهما يقع جغرافيًا في قارّتين: أوروبا وآسيا، ومصر التي تمتد بين أفريقيا وآسيا (لم يرد ذكر بنما التي تمتد بين الأميركيتين). سؤال في مادة الجغرافيا: أي من المقاعد الستّ سيخصّص للناخبين المقيمين في هذه الدول؟
سؤال في الجغرافيا .









