لبنان محاصر بالرشوة… والمواطن ضحيّة “الإكراميّة”

يواجه لبنان تحديات كبيرة في ملف الفساد العام، بما في ذلك الرشوة في المؤسسات العامة والخاصة. فوفق مؤشر “مدركات الفساد” لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، أحرز لبنان تقدما طفيفا، بعدما حصل على 23 نقطة من 100 عام 2025 ، مقارنة بـ22 نقطة عام 2024. وبذلك تربعت البلاد في المرتبة الـ153 من أصل 182 دولة.

هذه الأرقام ليست مجرد احصاءات جامدة، بل تعكس واقعا يوميا يعيشه المواطن اللبناني عند تعامله مع مؤسسات الدولة، وتؤكد استمرار الأزمة البنيوية في منظومة الحوكمة، وضعف آليات المساءلة والمحاسبة.

واظهر البارومتر العالمي للفساد أن 68% من اللبنانيين يرون أن الفساد قد ازداد خلال السنة الماضية، فيما كشف أن 41% من مستخدمي الخدمات العامة اضطروا إلى دفع رشوة، ما يعكس استمرار تحديات الرشوة والفساد في القطاعين العام والخاص، رغم بعض التحسن الطفيف.

الفارق الكبير بين لبنان وجواره، يكشف حجم التحدي الذي يواجهه، فالإمارات تتقدم بـ69 نقطة، وقطر بـ58، والمملكة العربية السعودية بـ57، ما يعكس تفاوتا واضحا في فعالية السياسات العامة، وقدرة المؤسسات على فرض الشفافية والمساءلة. فالفارق ليس مجرد أرقام بل يعكس قدرة الدول على جذب الاستثمارات وتأمين التمويل الدولي، بينما لبنان مضطر إلى رؤية مكافحة الفساد شرطا اساسيا للبقاء ضمن المنظومة الإقليمية والدولية.

واقع الحياة العملية في لبنان يكشف مأساة يومية يعيشها المواطن تسمى الرشوة، أو ما يعرف محلياً بـ”الإكرامية”، والتي تقف حائلًا بين المواطن وبين حصوله على حقوقه القانونية، لكن منذ تولي الحكومة الحالية، بدا خطاب الإصلاح وكأنه يفتح نافذة أمل في أروقة الدولة اللبنانية، وفق المدير التنفيذي لجمعية “لا فساد” جوليان كورسون، “فهذه اللغة الجديدة أسهمت في خلق بيئة أكثر تقبلا لمبادرات الإصلاح، مقارنة بما كانت عليه الحال في السنوات السابقة، فقد شهد لبنان خطوات ملموسة، مثل إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الطاقة، واعتماد آلية أكثر انتظامًا للتعيينات في القطاع العام ، كما بدت الحكومة أكثر جدية في التحرك، لإخراج البلاد من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، ما أعطى إشارات إيجابية للمراقبين والمجتمع المدني”. واكد كورسون “ان التحدي الحقيقي يبقى في التنفيذ”.

المشهد لا يقتصر على “مؤشر مدركات الفساد” وحده، فبحسب تصنيف مصفوفة “TRACE لمخاطر الرشوة” الخاصة ببيئة الأعمال، جاء لبنان في المرتبة 132 عالميا مع درجة مخاطر بلغت 57، ما يضعه ضمن البلدان ذات المخاطر المرتفعة نسبيا، من زاوية الامتثال والحوكمة في التعاملات، كما أظهر تقييم “Basel AML Index 2025” الخاص بمخاطر غسل الأموال والجرائم المالية، أن لبنان حل في المرتبة 47 بنتيجة 5.93، ضمن تصنيف المخاطر المتوسطة وفق منهجية التقرير.

وبعيدا عن المؤشرات الدولية والجداول الرقمية، يكفي أن ينظر اللبناني إلى تعاملاته اليومية مع المؤسسات العامة والخاصة، ليشهد مدى استشراء الرشوة. ففي “النافعة” على سبيل المثال تحولت معاملات تسجيل السيارات إلى سوق موازية، حيث يدفع المواطن أحيانا مبالغ خارج الرسوم الرسمية لتسريع معاملاته، والأمر نفسه ينطبق على ميناء بيروت، فالرشى تدفع لتسهيل إجراءات شحن البضائع ، قبل ان يحال العديد من الموظفين ومعقبي المعاملات الى التحقيق والمحاكمة في قضايا الرشوة والفساد.

الامر لم يقتصر على الموظفين، بل شملت الملاحقات القانونية وزراء ونوابًا سابقين، بشبهات اختلاس وهدر أموال عامة، وتورط في عقود مشبوهة أو معاملات مالية غير قانونية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر وزير الاقتصاد السابق أمين سلام، وزير الصناعة السابق والنائب الحالي جورج بوشكيان، وزراء اتصالات سابقين نقولا الصحناوي، جمال الجراح، جوني القرم ومحمد شقير، الذين غرموا بدفع مبالغ ضخمة إلى الخزينة، عبر سندات تحصيل تتولى وزارة المالية تقاضيها على خلفية قضايا هدر للمال العام وتجاوزات.

تشكل هذه الوقائع صورة الواقع اليومي للمواطن اللبناني، فالرشوة ليست سلوكا فرديا بل ظاهرة مستشرية في الدولة، تتحدى خطابات مكافحة الفساد، وتثير تساؤلات حول جدية المحاسبة، ليبقى السؤال هل ستنجح الحكومة في تحويل مكافحة الفساد من شعار إلى واقع ملموس؟

يشار إلى أن الحكومة اللبنانية أطلقت عام 2025 مشروع إصلاح لتعزيز الشفافية وتفعيل قوانين مكافحة الفساد مع التركيز على الذمة المالية، مكافحة الإثراء غير المشروع، تنظيم الشراء العام، وحماية كاشفي الفساد وتعيينات تعتمد الكفاءة بدل المحاصصة.

لبنان محاصر بالرشوة… والمواطن ضحيّة “الإكراميّة” .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...