أبواب البيت الأبيض مفتوحة أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. يطلب القيام بزيارة فيلبّى طلبه، ويطلب تقديم الموعد فيحصل على ما يريد. وها هو اليوم يقوم بالزيارة الخامسة لواشنطن منذ تولّي الرئيس دونالد ترامب منصبه قبل عام وشهر تقريباً. ولطالما كان التنسيق تامّاً بين الجانبين في خصوص الحرب في غزّة والملفّ الإيراني، على رغم بعض الخلافات في وجهات النظر.
زيارة نتنياهو اليوم لواشنطن مكرّسة للموضوع الإيراني. فلم تعد الأمور، في نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي، تحتمل التأجيل. هو يريد أن يبلغ الرئيس الأميركي موقفه وجهاً لوجه، قبل موعد لقاء ثانٍ محتمل بين وفدي الولايات المتّحدة وإيران.
والموقف الإسرائيلي هو، بكل وضوح، أن أنصاف الحلول لا تنفع مع طهران. وما لم يتمّ القضاء على المشروع النووي وبرنامج الصواريخ البالستية وأذرع إيران الإقليمية في شكل كامل، فإنّ أيّ اتّفاق يتمّ التوصّل إليه يُعتبر بمثابة إعطاء فرصة جديدة لطهران لتستفيد من الوقت وتعيد بناء قدراتها، معوّلة على تبدّل الظروف الدولية والإقليمية.
وأبعد من ذلك، يريد نتنياهو في نهاية المطاف أن تصل الأمور إلى إطاحة النظام، على اعتبار أنّ ذلك هو الطريق الوحيد، في رأيه، لإزاحة التهديد الإيراني في المنطقة. ولكن، سيتعيّن عليه في المرحلة الأولى إقناع الرئيس ترامب بعدم الاكتفاء باتّفاق مع إيران حول البرنامج النووي، بل أن يشمل ذلك البرنامج الصاروخي، الذي تبيّن أنّه يشكّل خطراً على إسرائيل، بحيث يمكن لهذه الصواريخ، كما ثبُت في حرب حزيران، أن يصل مداها إلى عمق المدن والبلدات الإسرائيلية.
ويرى نتنياهو أن لا سبيل للوصول إلى أيّ حلّ مستدام مع إيران سوى باعتماد الخيار العسكري. وفي الواقع، تعطي إيران نفسُها، التي تستمرّ في رفض نقل اليورانيوم المخصّب بدرجة كبيرة إلى الخارج أو التفاوض حول البرنامج الصاروخي، الحجّة للولايات المتّحدة ربّما للتوجّه نحو الخيار التصعيدي.
ويرى بعض المحلّلين المتخصّصين في الموضوع الإيراني أنّ قيام طهران بتقديم تنازلات تتجاوز الملف النوويّ، ستكون شبه مستحيلة. إذ تعتبر إيران أنّ التخلّي عن برنامجها الصاروخي، خصوصاً في ظلّ الضعف الشديد الذي لحق بمحورها في المنطقة وأذرعها، سيكون بمثابة خسارة كلّ نقاط القوّة. وهي بذلك، ستعرّض النظام بحدّ ذاته للخطر، إذا ما تنازل عن مكامن القوّة لديه.
وثمّة من يعتقد أنّ إيران تفضّل خيار الحرب على التخلّي التلقائي عن الصواريخ البالستية. فأي هجوم أميركي أو إسرائيلي لن يكون كافياً، في نظر السلطة في طهران، في القضاء نهائيّاً على الصواريخ أو على مقوّمات البرنامج النووي. وعندما تتوقّف الحرب، يكون النظام قد نجا، فيعيد بناء قدراته ممّا تبقّى منها. فالضربة الأميركية الأخيرة على المنشأت النووية أخّرت إنتاج القنبلة الذرّية، ولكن لم تقضِ على إمكان متابعة التخصيب في مرحلة من المراحل. كما تعوّل إيران على أنّ الضربات الأميركية لن تؤدّي إلى انهيار النظام، بينما سيقود تقديم كلّ التنازلات المطلوبة إلى حتميّة سقوط النظام.
ويعتقد الإيرانيون أن ليس في استطاعة ترامب أن يستمرّ في حرب طويلة وواسعة ضدّ طهران، وهو يفضّل ضربات سريعة وحاسمة. ولكن هذه الضربات لن تكون كافية لإسقاط نظام قويّ وإنهاء برنامج صاروخي وآخر نووي مزروعين في طول البلاد الواسعة وعرضها. فاستعمال القنابل الخارقة ليس متاحاً في كل يوم، كما أنّ كمّياتها محدودة. والولايات المتّحدة لا يمكنها إبقاء بوارجها وحاملات الطائرات لفترة طويلة في المنطقة، إذ لديها اهتمامات في أماكن اخرى من العالم.
ومن هذا المنطلق، سيستعمل نتنياهو كلّ حججه الإقناعية والمعلومات الاستخبارية التي لدى الأجهزة الإسرائيلية، ليبرهن أنّ إيران تواصل عملية تصنيع الصواريخ، وتستعد لاستعادة العمل في البرنامج النووي. وسيحاول إقناع الرئيس الأميركي بخوض غمار حرب كبيرة إلى حدّ ما، ولكن لمرّة واحدة، لكي ينتهي النفوذ الإيراني في شكل تامّ.
ولكن، في حال لم يقتنع ترامب بوجهة نظر نتنياهو، فإنّ الموضوع اللبناني قد يكون على المحكّ. فملف “حزب الله” وسلاحه لا يمكن ربطه بمآل الملف الإيراني. وعندها ستتولّى إسرائيل بنفسها موضوع السلاح. وهذا ما يزيد من احتمال حصول تصعيد عسكري واسع ضدّ لبنان في الأسابيع المقبلة.
نتنياهو لترامب: لا حلّ وسطاً مع إيران .











