الحزب وتفاصيل التحول في الهيكلة.. والخطاب السياسي

ظهر تسريب خبر استقالة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق وفيق صفا جانباً من ورشة يخوضها حزب الله، تعيد ترتيب أموره الداخلية، وتعيد وصل المنقطع من علاقته بالقوى السياسية والمرجعيات الروحية. وباستقالته، طوى صفا صفحة رجل اختلطت لديه مهام الأمن بالسياسة، فما لا يمكن حلّه بالسياسة ينجح بالأمن أو بكليهما معاً.

في مفاصل معيّنة، كان يطغى حضوره على غيره من المسؤولين، لما يحمله من رسائل أمنية ـ سياسية متداخلة. والأمثلة كثيرة، منها، وليس حصراً، زيارته الشهيرة إلى قصر العدل، والتسريب المقصود من بعدها، وزيارته الأخيرة ومشاركته في فعاليات إضاءة صخرة الروشة، وما بينهما الكثير.

نتحدّث هنا عن طابع أمني داخل حزب الله كان يتقدّم على ما عداه أحياناً، وحتى في الملفات السياسية التي كان يتسلّمها صفا وحواره مع الحلفاء، بات يتقدّم مفهومها الأمني على مفهوم الحوار المطلوب. وبطبيعة الحال، لم يكن سلوك صفا إلا انعكاساً لسياسة الحزب من قبل، كحزب أمني ـ سياسي، وجد نفسه في حرب الإسناد مكشوفاً نتيجة إخفاقات أمنية معيّنة دفع ثمنها غالياً.

بعد حرب الإسناد، وجد الحزب نفسه مضطراً لإعادة النظر في كثير من مفاصل عمله.

مرّ حزب الله بمرحلة طويلة من المحافظة على الواقع التنظيمي القائم، وحرص على الشخصيات التي كانت تتولّى المسؤوليات التنظيمية، وكان التغيير نادراً ما يطرق باب مؤسساته، لإيمان أمينه العام السابق السيد حسن نصرالله بأن لا ضرورة لتغيير شخص ناجح في عمله لمجرّد التغيير، ما أدّى إلى تفرّع مؤسسات عن المؤسسة الأم.

حتى مجلس الشورى، الذي كان يُفترض أن تتغيّر عضويته كل ثلاث سنوات، لم يشهد تغييراً. وبمعنى آخر، لم يكن التغيير التنظيمي سمة موجودة، وكثيرون تولّوا مسؤولياتهم لسنوات طويلة جداً.

ما بعد الحرب، ومع استشهاد عدد من قادة الصف الأول، والفراغ في الأمانة العامة، وفي ظل ما أعلنه حزب الله على لسان عدد من مسؤوليه عن قيامه بورشة تنظيمية في مختلف المجالات لوضع رؤى واستراتيجيات للمرحلة المقبلة، بدا أن مفاعيل هذه الورشة المرتبطة بالمجالات السياسية والأمنية والاجتماعية قدّمت خلاصاتها.

وكان جزء من هذه الخلاصات والتوصيات قد بدأ الحزب في ترجمته، ومن بينها مقاربته للموضوع الإعلامي. أمّا من ناحية الجسم العسكري وهيكليته، فبقي محاطاً بتكتّم شديد،  وقد عاد الحزب إلى بداياته في فصل عمله العسكري عن السياسي انفصالاً شبه مطلق.

أنتج الحزب لجاناً متخصّصة في العمل السياسي والتنظيمي والإعلامي وشؤون التكنولوجيا، وحصل تغيير عبر إعادة الانضباط، وإلغاء بعض الوظائف والمهام مقابل استحداث أخرى، وتعزيز صلاحيات بعض الهيئات مقابل تقليص أخرى، ومنع التداخل في الملفات.

وبموجب الترتيبات الجديدة، نالت الملفات المتخصّصة دورها الطبيعي. واستمرّت بعض الشخصيات في مهامها، كالمعاون السياسي الحاج حسين الخليل، الذي بقي متخصّصاً في ملف العلاقة مع حركة أمل والملف الدرزي.

ومن خلال تفعيل الموضوعات المتخصّصة بالمدخل السياسي، تم تكليف وجوه جديدة تتكفّل العلاقة مع القوى السياسية وتفعيل دور النواب، مثل علي فياض ورائد برو وعضو المكتب السياسي أبو سعيد الخنسا، فضلاً عن تغييرات أخرى كثيرة وتبديلات في مواقع معيّنة شملت صفا، الذي يُفترض أن يتسلّم منصباً جديداً مختلفاً عن مهامه الماضية.

وبقبول استقالة صفا، أو نقله وتسليمه مهاماً حزبية أخرى وغير أمنية، فإنّ ذلك يعني أن حزب الله فصل بين عمله المقاوم والعمل السياسي البعيد عن الأمن بالمفهوم الذي كان سائداً. وهو تجسيد لخطاب سياسي جديد كرّسه في تعاطيه مع رئيس الحكومة نواف سلام، الذي، ورغم التأزّم في العلاقة التي رافقت ظروف تسميته لرئاسة الحكومة، قدّم له حزب الله جرعتي دعم، في التصويت على الموازنة، ثم في زيارة الجنوب التي حُوّلت إلى زيارة حظيت بحفاوة شعبية استغربها الجنوبيون أنفسهم.

يطوّر حزب الله خطابه السياسي، ويُبنى خطابه الجديد على رؤية سياسية ومقاربة جديدة. وفي الأداء، يبدو واضحاً أنّ هناك إعادة تفعيل للملفات المتخصّصة ذات العلاقة بالملفات السياسية، سواء المسيحية أو الإسلامية. كما يبدو واضحاً أنّ هناك تغييراً في الأداء السياسي كما في الهيكلة والانفتاح نحو سياسات تركّز على التواصل والعلاقة المتينة مع الجميع.

طيّ صفحة صفا بمعناها الأمني، وتعيين خليفته حتى قبل تسريب خبر الاستقالة، التي كان يُفترض أن تصدر في بيان مُذيّل بمهامه الجديدة، انعكسا بلبلة كان حزب الله في غنى عنها، لكنها ساعدت، في جانب منها، على تغليب طابعه السياسي، مع مجيء شخصيات اتسمت بعلاقات سياسية أكثر منها أمنية، وإن بقيت لها مهام أمنية في مفاصل معيّنة.

استقالة صفا هنا يمكن قراءتها من باب التغيّرات التي شهدها الحزب، والتبدّلات التي فرضها استشهاد قادته المؤسسين. فشخصية كوفيق صفا قد لا يروق لها تولّي مهام تقلّص من دوره ومكانته، وتظهره بصورة مغايرة عن تلك التي انطبعت في أذهان الناس. وهي صورة ربما يتقصّد حزب الله طيّها، لإعادة ترميم حضوره، وأخذ قسط من الحوار يحتاجه، ليتموضع من جديد بما يتناسب مع المستجدّات من حوله.

لوفيق صفا في حزب الله مسيرة لم تنتهِ بعد، خطها بالدم في مفاصل كثيرة. بأعجوبة نجا من استهداف إسرائيلي في الحرب الأخيرة، وبسبب تفجيرات البيجر أصيب اثنان من أبنائه. ولأنه حزب الله فكل تغيير فيه حمال أوجه. فكيف إذا كان تحوله السياسي هدفاً يترقبه الخارج قبل الداخل. عاصفة صفا لم تهدأ تردداتها بعد داخل الحزب وخارجه . امتحان جديد لحزب الله بعد الحرب، ولقدرة قادته على الاحتواء. 

الحزب وتفاصيل التحول في الهيكلة.. والخطاب السياسي .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...