تندرج الزيارة الجريئة التي قام بها رئيس الحكومة نوّاف سلام للقرى الحدوديّة الجنوبيّة ضمن جملة من الدلالات، أبرزها أنّ تعزيز حضور الدولة في تلك المناطق يرفع من فرص إجراء الانتخابات النيابيّة التي بات تأجيلها غير مرجّح. تمّت زيارة سلام على الرغم من هدف إسرائيل المعلن المتمثّل في منع عودة أبناء أكثر من 34 قرية إليها، عبر القصف المستمرّ الذي لا يطال فقط ناشطي “الحزب”، بل ومواقع مدنيّة ومدنيّين، للحؤول دون إعادة الإعمار.
حتّى لو صحّ أنّ الجيش الإسرائيليّ تجنّب التعرّض لزيارة الرئيس نوّاف سلام للجنوب، بناءً على اتّصالات دوليّة مع تل أبيب وفّرت مظلّة لتحرّكه، يبقى انتقاله إلى المناطق الحدوديّة، معلناً حضور الدولة بدلاً من القوّة المسلّحة الخارجة عليها، حدثاً بحدّ ذاته.
زار أسلافه الجنوب، تأكيداً لدور الدولة الذي بقي نظريّاً في زمن التعايش بين الميليشيا ومؤسّسات الدولة، وحين هيمنت الأولى. اعتاد مسؤولون إيرانيّون أيضاً زيارة المنطقة الحدوديّة لتدشين معالم ترمز إلى النفوذ.
ربطات العنق بدل “القمصان السود”؟
إلّا أنّ زيارة سلام تأتي بعد إعلان الجيش “السيطرة العملانيّة” جنوب الليطاني لتأكيد أنّ حضور الدولة ليس أمنيّاً فقط، بل إغاثيّ وإنمائيّ وإعماريّ. إنّها حدث ينسجم مع وقائع سنتين من المستجدّات، بدءاً بالنتائج الكارثيّة لحرب إسناد غزّة وانكشاف محدوديّة قوّة “الحزب” خلافاً لادّعاءاته المقدرة على مواجهة إسرائيل، وصولاً إلى سقوط نظام آل الأسد وانتخاب الرئيس جوزف عون وتشكيل سلام حكومة “الإنقاذ والإصلاح”.
من الأبعاد التي ترمز إليها جولة سلام:
- عاد نوّاف سلام إلى بلدة كفرشوبا التي عرفها قبل 50 سنة مناضلاً متضامناً مع القضيّة الفلسطينيّة بوجه الاحتلال. كانت العودة لواحد من جيل بات يعترف بأنّه حمّل لبنان فوق طاقته في انحيازه إلى المقاومة الفلسطينيّة على حساب السيادة… فكيف الأمر مع قوى تقوم تعبئتها النضاليّة على فائض التضامن مع “الثورة الإسلاميّة” في إيران البعيدة جدّاً، قياساً إلى فلسطين التي هي على مرمى حجر، سياسيّاً وجغرافيّاً؟
- غلب على مستقبليه من لبسوا ربطات العنق من رؤساء البلديّات وأعضائها، بدلاً من شباب “القمصان السود” الذين اعتادوا تصدّر أيّ حدث جنوبيّ. من يتولّون مسؤوليّات المجالس البلديّة في القرى يكونون عادة من الوجهاء أو المتقاعدين من موظّفي الدولة. لا ينفي ذلك تعاطفهم مع “الحزب” في البيئة الشيعيّة، لكنّه يرمز إلى توق شريحة من المجتمع لانتظام العلاقة مع المؤسّسات الرسميّة وعدم الاكتفاء بالولاء للجهة الحزبيّة.
إحاطة “أمل”؟
- أعلن سلام أرقام المساعدات التي ستنفقها الخزينة كي يدرك الجنوبيّون المنكوبون محدوديّة قدرات الدولة. وهي أرقام أقلّ بكثير من عُشر كلفة إعادة الإعمار المقدّرة بـ10–11 مليار دولار.
- بدت إحاطة حركة “أمل” بالزيارة أكثر من إحاطة “الحزب” الذي كان حاضراً، لا سيما في بنت جبيل. فالأولى معنيّة بالولاء للدولة لإزالة آثار العدوان. “كتيبة الأهالي” في “الحزب” تراجع تهجّمها على رئيس الحكومة نسبيّاً، قياساً إلى ما حصل إبّان زيارته الأولى قبل سنة عقب نيل حكومته ثقة البرلمان. احتاج “الحزب” إلى أن يُظهر بعض الليونة فيما يضطرّ إلى إزاحة وجه مستفزّ للّبنانيّين هو وفيق صفا، وفي وقت أصابه الشحّ الماليّ جرّاء قطع حبل تهريب المال عبر سوريا، والحصار الدوليّ.
الانتخابات “الحتميّة” ترسم دور “الحزب” والطّائفة؟
للزيارة تفاعلات سيمتدّ اختبارها بالزمن على وقع قدرة المؤسّسات الرسميّة على إصلاح البنى التحتيّة وعلى إعانة النازحين، من دون “سلبطة” الحزبيّين على الإنفاق، كما حصل عام 2006.
قد تكون الزيارة أعانت سلام على تصوّر أين وكيف للجنوبيّين في القرى المنكوبة أن يقترعوا في الانتخابات التي باتت حتميّة في أيّار المقبل، وفق تأكيد قياديّ في “الثنائيّ الشيعيّ” لـ”أساس”. ما يعيقها فقط هو حصول وضع أمنيّ عسكريّ. يعتبر “الثنائيّ” أنّ الانتخابات أحد المسارات التي يُعوّل عليها لرسم دور “الحزب” والطائفة المقبل، إضافة إلى التطوّرات الأميركيّة – الإيرانيّة. ويؤكّد القياديّ أنّ بيئة “الحزب” تتعاطف معه أكثر من السابق.
لماذا يعطي “الثّنائيّ” هديّة لخصومه؟
يلخّص القياديّ في “الثنائيّ” ما يحيط بالاستحقاق الانتخابيّ وفق الشكل الآتي:
- تعديل قانون الانتخاب غير وارد بعد الآن، وكذلك فكرة تأخير الاستحقاق شهرين، بعدما صدرت دعوة وزارة الداخليّة للهيئات الناخبة، وفُتح باب الترشُّح.
- تجري الانتخابات حتّى لو لم يُعدَّل القانون لتعليق الاقتراع في الدائرة الـ16 لاختيار 6 نوّاب يمثّلون المغتربين في الدول التي يوجدون فيها. فتحديد الداخليّة مواعيد الاقتراع استثنى هذه الدائرة.
- إذا كانت القوى السياسيّة التي دعت لتعديل القانون (“القوّات” و”الكتائب” والتغييريّون، ومعهم “التقدّمي الاشتراكيّ”) من أجل إلغاء المقاعد الستّة، وانتخاب المغتربين 128 نائباً، هدفها التفوّق على “الثنائيّ” بعدد النوّاب، فلماذا يعطيه الرئيس نبيه برّي وقيادة “الحزب” للخصوم؟ وإذا كان الهدف من التعديل التمديد شهرين لإتاحة اعتماد البطاقة الانتخابيّة الممغنطة، وقيام مراكز اقتراع كبرى (ميغاسنتر) خارج أماكن القيد من أجل التأثير على الناخبين خارج قراهم بدل تأثير بيئتهم عليهم، فلماذا على “الثنائي” أن يقدّم هديّة لخصومه؟
لا شيء يعطّل حقّ الاقتراع؟
يرى القياديّ في “الثنائيّ” أنّ تبرير إجراء الانتخابات مع مخالفة قانونها لعدم تعديله، من دون خشية من الطعن بنتائجها، له مخارجه:
- مع أنّ سلام قام بواجبه بإرسال مشروع لتعديل القانون ولم يقرّه البرلمان، لم تقُم الحكومة بواجبها في إصدار مراسيم تعيين القارّات التي سيُنتخب فيها النوّاب الستّة في بلاد الانتشار، وبتحضير “الميغاسنتر” والبطاقة الممغنطة. بإمكان وزيرَي الداخليّة والخارجيّة إلغاء تسجيل المغتربين الذين تسجّلوا للاقتراع في الخارج ليتمكّنوا من الاقتراع داخل لبنان.
- ثمّة سابقة حصلت عام 2018 حين طلب وزير الداخليّة آنذاك نهاد المشنوق رأي هيئة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل في إجراء الاقتراع على الرغم من أنّ الوقت لم يسمح بطبع البطاقة الممغنطة، فجاء الجواب أنّ تلكّؤ الحكومة لا يعطّل الانتخابات. يقول القياديّ في “الثنائيّ” إنّه ليس في دساتير وتشريعات العالم ما يتفوّق على حقّ المواطنين باختيار ممثّليهم، وإلّا يكُن ذلك افتئاتاً لسلطة على السلطة الأمّ التشريعيّة، التي هي ممثّلو الشعب.
سلام قام بما عليه و”الثّنائيّ” لا يخشى الطعن بالانتخابات .











