هذا ما تحتاج إليه العلاقة بين “بعبدا” و”حارة حريك” لكي تتحسّن

عندما يقول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أنه متفاهم مع “حزب الله” على الأهداف، لكنهما مختلفان على وسائل تحقيقها فهذا يعني بالعربي الدارج أن العلاقة بين “بعبدا” و”حارة حريك لم ترسُ بعد على أرضية صلبة يمكن الانطلاق منها لتأسيس مرحلة جديدة من علاقات غير متوترة بين رئاسة الجمهورية، بما تعنيه من رمزية ومن موقع مميز ومتمايز، وبين قيادة “حزب الله”. وهذا الكلام يمكن تفسيره سياسيًا من أكثر من زاوية سياسية، وذلك انطلاقًا من مبدأ أن الرئاسة الحالية هي على مسافة متقاربة من جميع القوى السياسية بمقدار ما تكون هذه القوى مقتنعة بأن الدولة بقواها الشرعية هي الحامية الوحيدة لأمن المواطن أينما وجد وأيًا يكن انتماؤه السياسي أو الطائفي أو المناطقي.

فإذا أصبح “حزب الله” على قاب قوسين أو أدنى من هذه الثابتة الرئاسية فإن التفاهم بين “بعبدا” و”حارة حريك” يمكن أن ينتقل، ولو تدريجيًا، من حال التفاهم على الأهداف إلى حال التفاهم على وسائل تحقيقها. وهذا الأمر، باعتراف الطرفين، لن يكون بين ليلة وضحاها ولا بكبسة زر، بل تتطلب المزيد من الوقت حتى يقدر “الحزب” التخلي عن فكرة “فائض القوة”، أو على الأقل التأقلم مع هذه الفكرة بكثير من الحكمة والوعي، وانطلاقًا من قراءة متأنية للمتغيّرات الحاصلة في المنطقة، والتي تشمل لبنان بطبيعة الحال.

ووفق ما يُنقل عنه فإن الرئيس عون يأمل في أن يتعاون معه “حزب الله” بالمقدار المطلوب لإنقاذ لبنان، مشيراً إلى أنّ من شأن مرونته تقوية موقع الدولة وأوراقها في مساعيها الديبلوماسية لتحرير الأرض، واستعادة الأسرى، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة، وترسيم الحدود.

ومن المؤشرات الإيجابية، التي يمكن أن يُرَاهن عليها لتحسين العلاقة بين الرئاسة الأولى و”حزب الله”، هو ما يقوله الرئيس عون عن العلاقة الإيجابية بينه وبين “الأخ الأكبر”، الرئيس نبيه بري، مشيرًا إلى هذا التفاهم “انعكس زيادة في إنتاجية الدولة”، خصوصًا أن بري “متعاون جداً في ما يخص العلاقة بين المؤسسات، والتعيينات، والتحدّيات والملفات التي تواجهنا، وكم من مرّة كان يكفي اتصال هاتفي بيننا لتيسير الأمور وتسييرها، وهو يمكن أن يذهب إلى الحدّ الأقصى من المرونة إذا عرفت كيف تبني الثقة معه”.

فهل يمكن الاستفادة من هذه العلاقة المتينة والواعدة بين الرئيسين عون وبري لتأسيس ممنهج لعلاقة غير متوترة بين “بعبدا” و”حارة حريك” انطلاقًا من الثوابت التي أرساها رئيس الجمهورية في خطاب القسم لجهة حصرية السلاح بيد القوى الشرعية وحدها دون سواها؟

ما هو أكيد أن الخلاف مع “حزب الله” على الوسائل يتجاوز الداخل اللبناني. فـ “الحزب”، في رأي كثيرين، ليس مجرد قوة محلية؛ هو جزء من منظومة إقليمية تتأثر مباشرة بمآل العلاقة الأميركية–الإيرانية، وبمستقبل الصراع في غزة، وبإعادة ترتيب الأمن في شرق المتوسط. لذلك فإن أي انتقال من التفاهم على الأهداف إلى التفاهم على الوسائل يعني عمليًا إعادة تعريف دور لبنان داخل هذه الشبكة المعقدة من الصراعات.

فإذا اقترب “الحزب” من ثابتة حصرية السلاح بيد الدولة، فهذا لا يُقرأ فقط كتحول لبناني، بل كمؤشر على نضج إقليمي يقرّ بأن مرحلة الحروب المفتوحة استنفدت نفسها. أما إذا بقي متمسكًا بفكرة “فائض القوة”، فسيبقى لبنان رهينة انتظار التسويات الخارجية، لا مشاركًا في صناعة أي تسوية تخصه.

الرئيس عون، وفق ما يُنقل عنه، يراهن على تعاون الحزب لإنقاذ لبنان لأن تقوية الدولة تعني تقوية موقعها التفاوضي إقليميًا ودوليًا. فالدولة القوية تستطيع أن تطالب بتحرير أرضها، حماية حدودها، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية من موقع صاحب السيادة، لا من موقع الدولة الضعيفة التي تستعير قوتها من تنظيمات موازية. ففي عالم يتجه نحو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، لا مكان طويل الأمد للكيانات الرمادية.

العلاقة الإيجابية بين الرئيس عون والرئيس نبيه بري تكتسب هنا بعدًا إضافيًا. بري ليس فقط شريكًا داخليًا في إدارة المؤسسات، بل لاعب يفهم جيدًا توازنات الإقليم. أي أنه بتعبير مجازي كالجسر الذي يمكن أن يوصل ما انقطع بين “بعبدا” و”حارة حريك”، ويمكن بالتالي أن يتحول إلى منصة لتكييف الدور اللبناني مع المتغيرات الإقليمية بدلًا من الاصطدام بها.

فلبنان اليوم أمام فرصة نادرة، وهي أن يسبق التسويات بدلًا من أن ينتظرها. إن التفاهم على الأهداف خطوة أولى، لكنها تبقى ناقصة ما لم تتحول إلى تفاهم على الوسائل، أي على احتكار الدولة للقوة والقرار. ففي زمن التحولات الكبرى، فإن الدول التي لا تحسم خياراتها تصبح على هامش خرائط الآخرين.

إذًا فالمعادلة بسيطة وواقعية في آن: إما قيام دولة تستوعب الجميع وتحمي الجميع، وإمّا تبقى ساحة يتنازعها الجميع. وبين هذين الخيارين تتحدد طبيعة العلاقة بين “بعبدا” و”حارة حريك”، وبالتالي يتحدد مستقبل لبنان نفسه.

هذا ما تحتاج إليه العلاقة بين “بعبدا” و”حارة حريك” لكي تتحسّن .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...