على جدران معرض “باقون” تصطف صُور صامتة لكنها تقول الكثير، صُور لأغراض بقيت في أماكنها كأن أصحابها سيعودون بعد قليل، وأخرى لأماكن اغتيال ما زالت تحتفظ بأثر اللحظة التي توقف فيها الزمن. هنا لا يتحوّل الضحايا إلى رموز ولا إلى عناوين بل يعودون بشرًا لهم وجوه وأشياء وحياة قُطعت فجأة، ما يضع الزائر أمام ذاكرة ثقيلة لم تجد بعد طريقها إلى العدالة.
“باقون” معرض فوتوغرافيّ يُقام بمناسبة الذكرى الخامسة لاستشهاد لقمان سليم، ويخلّد ذكرى ضحايا الاغتيالات السياسية في لبنان منذ عام 2005 وحتى اليوم، تنظمه “مؤسسة لقمان سليم”، و “أمم للتوثيق والأبحاث”، و “دار الجديد”، بدعم فعّال من “المعهد الفرنسي – السفارة الفرنسية”. ويُعدّ المشروع خاصًا بـ “مؤسسة لقمان سليم”، بعدسة المصوّر الفرنسي إدوار إلياس، وتحت إشراف القيّمة كاتيا جرجورة التي قالت لـ “نداء الوطن” إنهم من خلال “باقون”: “يسعَون إلى إظهار ضحايا الاغتيالات السياسية منذ عام 2005 حتى اليوم، للقول إنهم ما زالوا حاضرين بيننا، وإن أفكارهم ما زالت حيّة، وإنهم لم يموتوا عبثًا”.
فعلُ مقاومة
أضافت، أن المعرض يقدّم نفسه بوصفه فعلَ مقاومة، في بلدٍ يعاني ضعفًا في النظام القضائي، وحيث تبقى معظم الجرائم بلا محاسبة، مؤكّدة: “نحن نؤمن، مع “مؤسسة لقمان سليم”، بأن الفن الملتزم قادر على الدخول إلى المجال السياسي وملء الفراغ الذي تتركه دولةٌ عاجزة. من هنا جاء عنوان المعرض “باقون” أو “Remaining”، فهم باقون، ونحن باقون معهم إلى أن تتحقق العدالة”.
جرجورة توقفت عند اختيارهم التصوير الفوتوغرافي للمعرض، قائلةً: “نحن نؤمن بأن التصوير الفوتوغرافي وسيلة مباشرة، متاحة وقوية، تعزز التفاعل مع الجمهور، إذ إن الصورة تحفظ الذاكرة وتجمّد الزمن، وتُبقي الحضور قائمًا إلى ما بعد اللحظة الآنية. من هنا، توجّهنا إلى المصوّر الفرنسي إدوار الياس الذي يعرف المنطقة جيدًا، وهو من الجيل الجديد من المصوّرين المعروفين”.
ذاكرة الغائبين
المصوّر الفرنسي إدوار الياس حدّثنا بدوره عن المشروع فأوضح لـ “نداء الوطن” أنه تمّ على مدى ثلاث سنوات وتطلّب منه عدة سفرات لأنه يعيش في فرنسا، وكشف أبرز التحديات التي واجهها: “أنا لست لبنانيًا، لكنني أعرف كيف أقترب من أشخاص يمرّون بظروف صعبة تتعلق بالموت، أو بالنزوح، أو بالحرب. ولهذا السبب، استغرق الأمر وقتًا للدخول إلى خصوصيّة الناس وطلب الشيء الذي كان أغلى ما لديهم. والشيء الأغلى هو ذاكرة الأشخاص الذين لم يعودوا موجودين. وهذا ما كان علينا محاولة الوصول إليه من خلال التصوير، وأخذ الوقت الكافي لذلك”.
وكشف الياس أن اعتماده اللونَين الأبيض والأسود في صُوَره، الهدف منه “إيجاد مساواة بين الجميع”. مضيفًا: “بالنسبة لي، كان هذا أمرًا بالغ الأهمية، كشخص من الخارج، أن أرى عائلات مختلفة من خلفيات وأصول متنوعة، وأيضًا أن أضمن أن تكون الذكرى والحزن متساويَين للجميع”.
وفي ما يتعلّق بكيفية اختيار العناصر التي صوّرها، سواء كانت أغراضًا أو أماكن أو صور الأشخاص الذين لم يعودوا موجودين، يوضح المصوّر أن “الاختيار غالبًا ما تمّ بواسطة العائلة. الفكرة كانت أن نشرح لهم ما نرغب في فعله، ومن ثم نترك لهم حرية الاختيار”.
لا ينفي الياس أن الأمر كان صعبًا للغاية: “نحن في النهاية نقتحم خصوصيّتهم، فيما العدالة لم تتحقق بعد، وهم ما زالوا في حِدادهم، وما زالوا غير متأكّدين ما إذا كان بإمكانهم الكلام، وبعضهم ما زال خائفًا، وما إلى ذلك. هذا شيء يتطلّب فعلًا قدرًا كبيرًا من التعاطف”.
بقايا أرواح ومشاعر
من جهتها، أكّدت الكاتبة رشا الأمير، شقيقة الشهيد لقمان سليم، في حديثها مع “نداء الوطن”، أن هذا المعرض “لا يشبه أي معرض آخر، لأنه ليس معرضًا فنيًا فقط”، معتبرةً أن المصوّر “استطاع أن يلتقط، ما تبقى من أرواحنا وشعورنا بالأسى والوجع والفقد”. وأكّدت الأمير أن الذاكرة لن تحلّ مكان العدالة، بل تسير الإثنتان على نفس الخط، مضيفةً: “لكن بما أن العدالة بطيئة وهناك قرار سياسيّ بتغييبها، فطريقتنا لتأديب العدالة تكون من خلال الذاكرة”. وأضافت: “نحن نتجه نحو الطريق الصحيح، وللمرة الأولى منذ خمس سنوات لدينا قاضية قوية”. كذلك، دعت كل إنسان يؤمن بالعدالة وببناء الأوطان، لأن يزور هذا المعرض ويفكّر.
تعبير فنيّ عن العنف
أمّا نجل الشهيد محمد شطح، روني شطح، فقال لـ “نداء الوطن”: “أعتقد أنها المرّة الأولى التي يُنظَم فيها معرض تصويري عن العنف. أظنها المرّة الأولى التي يُعبَّر عنها فنيًا عن العنف”. وأضاف: “من الرائع رؤية العديد من العائلات التي تتشارك هذا الألم معًا. بالنسبة لي، إنه لشرف أن أكون هنا”.
شطح كشف أنه قدّم للمعرض “رسالة كتبها والدي إلى الشهيد باسل فليحان خلال صراعه للبقاء على قيد الحياة حيث نجا لمدة ستة أسابيع وبقي في غيبوبة”، مضيفًا: “إنها رسالة حبّ لصديقه الراحل. وبالطبع، الشخص الذي كتب تلك الرسالة سيموت لاحقًا أيضًا. كما أحضرتُ ساعته وقبّعته، وهما معروضتان هنا بالفعل”.
الصحافي جاد الأخوي لفت بدوره إلى أن “المعرض أكبر دليل أن الحرب التي نعيشها ولا نزال ليست حربًا عسكرية ولا طائفية بل حرب ثقافية. إنه صراع ثقافات”. وأضاف لـ “نداء الوطن”: “لقمان كان مع المقاومة بالثقافة، مع الحرب بالثقافة. كل شيء لاعنفي، لقمان كان معه. إذًا هذا دليل على استمرارية فكره، واستمرارية المنطق الذي يعمل به: نحن نحارب بالثقافة، هذه هي الحرب”.
أما رئيس جمعية المعتقلين في السجون السورية علي أبو دهن فأكد أن الشهيد لقمان سليم: “كان أخًا كبيرًا لنا في جمعية المعتقلين، هو الذي نقلنا من حالة البكاء إلى القدرة على القيام بشيء مهم للغاية لنرسخه للمستقبل. فقد أنجزنا فيلم “تدمر”، وقدمناه إلى 23 معتقلًا في لبنان، وحقق نجاحًا باهرًا ونال خمس جوائز عالمية، وعُرض الفيلم في 29 دولة أجنبية. بالتالي الشهيد لقمان سليم ليس فقط الوجه السياسي الذي يتحدث بلا خوف، بل هو أيضًا الوجه الإنساني الآخر الذي لا يعرفه أحد”.
افتتاح وكلمات
استُهلّ افتتاح المعرض بكلمة مؤثرة لزوجة الشهيد لقمان سليم، مونيكا بورغمان، وجّهت خلالها تحيّة للشهداء، من الرئيس الشهيد رفيق الحريري مرورًا بقافلة الشهداء وصولًا إلى الشهيد الياس الحصروني، مع احترام وتقدير للشهداء الأحياء الذين ما زالوا يحملون رسالة الوطن. كما أعربت عن شكرها للقيمين على المعرض والمصوّر على جهودهم في إبراز هذا المشروع الإنساني والفني.
تلت ذلك كلمة للقيّمة على المعرض كاتيا جرجورة، تحدثت فيها عن خلفيات المشروع، وخياراته الفنية، والمراحل التي مرّ بها العمل. وألقى المصوّر الفرنسي إدوار إلياس كلمة بدوره شرح فيها رؤيته الفنية، لتجسيد ذاكرة الضحايا بشكل حيّ ومؤثر. واختتمت الكلمات بواحدة لنجل الشهيد محمد شطح، روني شطح الذي شارك بدوره ذكريات العائلة وعمق أثر المعرض على ذاكرتهم وحياتهم اليومية.
حضر الافتتاح شخصيات سياسية واجتماعية وثقافية بالإضافة إلى الشهيدين الحيَّيْن الدكتورة مي شدياق والنائب مروان حمادة.
يُذكر أن معرض “باقون” افتتح في “يونيون ماركس – مصنع أبرويان”، برج حمّود – بيروت، بعد ظهر السبت 7 شباط 2026، ويستمر حتى 3 آذار المقبل يوميًا بين الساعة الثانية بعد الظهر والثامنة مساءً.
طريق الرحلة الأخيرة (رمزي الحاج)
من صور المعرض (رمزي الحاج)
صورة للنائب مروان حمادة (رمزي الحاج)
قَسَم الشهيد جبران تويني (رمزي الحاج)
ملصق المعرض (رمزي الحاج)
معرض “باقون”: ذاكرة شهداء الاغتيالات السياسية وصوت العدالة .











