العلاقة مع واشنطن تنحدر إلى ” الغموض الاستراتيجي”

كشف أسبوع لبنان في واشنطن التغيير الواضح في السياسة الأميركية تجاه بيروت. فمع اختتام قائد الجيش رودولف هيكل زيارته “المثيرة للجدل” إلى العاصمة الأميركية، تكشفت الأحداث الأميركية المتعلّقة بلبنان على حقيقة صعبة وهي أن سلاح “حزب اللّه” أصبح حملًا ثقيلًا وهو لا يؤثر على الديناميات المحلّية فحسب، بل على موقف الحكومة من “الحزب” الذي سيجرّ واشنطن إلى نقطة تحوّل خطيرة، It is a make-or-break situation.

بحسب مصدر في البنتاغون، كان الهدف من زيارة هيكل إلى واشنطن إظهار التقدّم في التزام لبنان بنزع سلاح “حزب اللّه” وبسط سلطة الدولة من جهة، وإظهار تمسّك واشنطن بالجيش اللبناني كشريك أمنيّ مهمّ من جهة أخرى، غير أن قائد الجيش سمع أيضًا من المسؤولين السياسيين الذين التقاهم تململًا من التباطؤ في إتمام عملية نزع سلاح “حزب اللّه”. ورغم أن برنامج الزيارة عكس عمق العلاقات العسكرية الثنائية، إلّا أن المفاجأة بالنسبة للأميركيين كانت بأن هيكل لم يلتزم بجدول زمنيّ لإنجاز العملية شمال نهر الليطاني وصولًا إلى البقاع… ما حدا بقائد الجيش نفسه إلى وصف نتائج زيارته بـ “الوسط”.

اعتبر مصدر أميركيّ أن توقيت زيارة هيكل بالغ الأهمية، فيما أشاد مسؤولون عسكريون بالتزام الجيش اللبناني باحترام القانون الدولي والحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان. ومع ذلك، لم تخلُ الزيارة من الجدل. وقال مصدر أميركي إن الاجتماع القصير والمتوتر مع السيناتور ليندسي غراهام أبرز المخاوف الأميركية المتراكمة والمستمرّة بشأن موقف الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني من “حزب اللّه”. وكان غراهام قد ضغط على هيكل لتصنيف “حزب اللّه” منظمة إرهابيّة. وقد سلّطت هذه الحادثة، بحسب دبلوماسي أميركي مخضرم، الضوء على التوازن الدقيق الذي يواجه القادة العسكريين اللبنانيين، إذ يتعيّن عليهم التعامل مع الواقع السياسي الداخلي – حيث لا يزال “حزب اللّه” فاعلًا – في مقابل تلبية توقعات الولايات المتحدة باتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه “الحزب”. ورغم أن هيكل أوضح أن هدفه الرئيسي هو الحفاظ على “أمننا الداخلي كأولويتنا بغض النظر عمّا يحدث حولنا في المنطقة”، إلّا أن الدبلوماسي الأميركي قال إن زيارة هيكل ستُذكر باللقاء القصير والحادّ الذي جرى مع غراهام.

واعتبرت مصادر أميركية قريبة من البنتاغون ووزارة الخارجية أن هيكل سمع الموقف الأميركي بوضوح وبعيدًا من اللغة الدبلوماسية المُستخدمة عادةً عند الحديث عن لبنان. وقال مصدر دبلوماسي إن المشكلة هي في أن واشنطن لم تعد تقبل بوصف “حزب اللّه” بـ “جماعات مسلحة” أو “جهات فاعلة غير حكومية” وكأن اللبنانيين أنفسهم لا يستطيعون تقبّل سماع مصطلح “حزب اللّه” أو “يجب نزع سلاح حزب اللّه”، فصبر واشنطن بدأ ينفد. وقال مصدر في الكونغرس إن إدارة ترامب غير راضية أبدًا من المماطلة وغياب التقدّم في حلّ مسألة نزع سلاح “حزب اللّه”، ما يضع المساعدات للجيش اللبناني على المحك.

فهل يُذكر الأسبوع الأوّل من شباط 2026 بأنه نقطة تحوّل في العلاقات اللبنانية الأميركية؟ سؤال يعكس كيف أصبحت واشنطن مسرحًا لفعاليّات وأحداث دبلوماسية وتشريعية “عالية المخاطر بالنسبة إلى لبنان”، بحسب دبلوماسي أميركي سابق، مضيفًا أنها كشفت هشاشة الشراكة – واحتمالية تحوّلها. وهي برأيه شراكة اتسمت طويلًا بالغموض الاستراتيجيّ.

فقد تزامنت زيارة قائد الجيش مع جلسة استماع عن “حزب اللّه” في الكونغرس، كما أنها شهدت تقديم مشروع قانون يدعو إلى معاقبة معرقلي العملية الانتخابية اللبنانية لا سيّما السماح للمقيمين خارج لبنان بالمشاركة فيها، لتُشير إلى سعي أميركي لإعادة صياغة قواعد التعاطي مع لبنان.

جلسة الاستماع في الكونغرس التي كانت بعنوان “سياسة الولايات المتحدة تجاه لبنان: عقبات أمام تفكيك قبضة حزب اللّه على السلطة” جمعت شهودًا خبراء من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى دعوا إلى اتباع نهج أميركي أكثر حزمًا لإضعاف “حزب اللّه”، وربط المساعدات الأمنية للبنان بتحقيق تقدّم ملموس في نزع السلاح.

ووصف مصدر في الكونغرس هذه الفعاليات بأنها تقدّم “فرصة تاريخية” لمساعدة لبنان على التحرّر من النفوذ الإيراني، لكنه حذر من ضيق الوقت المتاح. وشدّد المصدر على وجود معلومات استخباراتية أميركية تؤكد أن “حزب اللّه” يعمل على إعادة بناء قدراته، مشدّدًا على ضرورة أن ترسل الإدارة الأميركية إشارات واضحة بعدم الرضا.

وكان الخبراء الأميركيون قد أكدوا خلال الجلسة أن نزع السلاح ضروري، ولكنه غير كافٍ لإضعاف “حزب اللّه”، مشدّدين على ضرورة إنجاز الإصلاحات.

من جانب آخر، أضاف تقديم مشروع قانون رقم 7311 – قانون حماية نزاهة الانتخابات اللبنانية وتصويت المغتربين لعام 2026 – في مجلس النواب بُعدًا جديدًا للعلاقات الأميركية اللبنانية. ويُخوّل هذا المشروع، الذي قدّمه النائبان من أصل لبناني داريل عيسى ودارين لحود، الرئيس ترامب فرض عقوبات على أي شخص أو كيان أجنبي يُعيق أو يُعرقل أو يُؤخر العملية الانتخابية في لبنان، بما في ذلك الجهود المبذولة لتقييد تصويت المغتربين اللبنانيين في الانتخابات البرلمانية.

وقد عبّر مصدر في الكونغرس عن انتقاده النخب الحاكمة في لبنان، وقال إنه لا بدّ من البدء بمحاسبة المعرقلين لقيام الدولة، مشدّدًا على أن واشنطن تريد رؤية نتائج ملموسة على صعيد الإصلاح وعلى صعيد نزع سلاح “حزب اللّه” وعلى صعيد بسط سيادة الدولة على كامل أرضها.

وفي قراءة لمسار الأحداث المتعلّقة بلبنان في واشنطن، أشار دبلوماسي أميركي سابق إلى أن إضعاف “حزب اللّه” ونزع سلاحه سيُحدث تحوّلات جذرية في لبنان ستجبر بيروت على إعادة النظر في استراتيجيّاتها، مشدّدًا على ضرورة أن تبدأ الحكومة اللبنانية بالاستعداد لهذا التغيير من خلال الانتقال من الحوار إلى العمل المباشر. ولفت الدبلوماسي الأميركي إلى ما صدر عن مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأميركية بأن “نزع سلاح الجماعات الإرهابية الوكيلة لإيران وتعزيز السلام في الشرق الأوسط جزءان أساسيان من أجندة الرئيس الأميركي”. تجدر الإشارة إلى أن هذا الموقف “المتقدم جدًا” جاء عقب لقاء كبير مستشاري وزير الخارجية الأميركية روبرت بالادينو مع هيكل. وبحسب الدبلوماسي الأميركي، فإن المشكلة الكبرى تكمن في تساهل لبنان المفرط في التعامل مع “حزب اللّه”.

وقد جاءت تطوّرات واشنطن اللبنانية هذا الأسبوع في ظلّ حالة من عدم الاستقرار الإقليمي والهشاشة اللبنانية الداخلية المستمرّة. مع ذلك، سعى قائد الجيش اللبناني لتأكيد امتنان لبنان للدعم الذي قدّمته الولايات المتحدة للجيش، مشدّدًا على التزام الدولة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701.

في الخلاصة، أسبوع بيروت في واشنطن جسّد مدى تعقيد العلاقات اللبنانية الأميركية وتقلّبها. فزيارة هيكل، وجلسة الاستماع في الكونغرس، ومشروع قانون نزاهة الانتخابات، كل منها يعكس جوانب مختلفة من الأجندة الثنائية: التعاون الأمني، والنقاش السياسي، والدعم الديمقراطي. إلّا أنها مجتمعةً تكشف عن كلّ المخاطر التي تنطوي عليها اللحظة الراهنة.

العلاقة مع واشنطن تنحدر إلى ” الغموض الاستراتيجي” .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...