كتب موقع ارم نيوز: مع انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط، دون تحقيق اختراق فعلي في الملفات الخلافية، عاد منسوب التوتر السياسي والعسكري إلى الارتفاع، في مشهد كشف أن مسار الحوار لم ينجح حتى الآن في كبح أدوات الضغط المتبادلة.
والجولة التي وُصفت رسميًا من الجانبين بأنها “إيجابية” أو “بداية قابلة للبناء”، لم تتجاوز في جوهرها مرحلة جس النبض وتبادل الرسائل غير المباشرة، خصوصًا أن القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها حدود البرنامج النووي الإيراني وآليات الرقابة ونطاق التخصيب، بقيت خارج أي تفاهم عملي.
وهذا الفراغ التفاوضي فتح المجال سريعًا أمام عودة خطاب السقف العالي، سواء عبر التصريحات السياسية أم عبر التحركات العسكرية على الأرض.
وقال الدبلوماسي الأمريكي السابق والمفاوض النووي مع إيران، آلان آير، قبل انطلاق المحادثات: “نحن أمام أخطر مرحلة في العلاقات الثنائية منذ أكثر من أربعين عامًا كلفة أي خطوة خاطئة باتت مرتفعة للغاية”.
تصعيد متزامن مع التفاوض
وفي أعقاب الجولة، شددت الإدارة الأمريكية على أن الحوار لا يعني تخفيف الضغط، مؤكدة أن هدفها المعلن يتمثل في منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، وأن جميع الخيارات لا تزال مطروحة.
وهذا الخطاب ترافق مع خطوات ميدانية عكست بوضوح أن واشنطن لا تفصل بين الدبلوماسية وأدوات القوة، بل تستخدمهما معًا ضمن مسار واحد.
وتشير تقارير إلى أن التحركات الأمريكية اتخذت طابعًا عملياتيًا، عبر توسيع نطاق الانتشار العسكري خارج الجغرافيا التقليدية للخليج، والاقتراب من محيط إيران الإقليمي، بما يوحي بمحاولة بناء طوق ضغط متعدد الجبهات، يتيح لواشنطن خيارات أوسع في حال تعثر المسار السياسي.
لكن في المقابل، تمسكت طهران بعد الجولة الأولى بخطاب ثابت يقوم على الفصل بين التفاوض والضغوط، مؤكدة أن دخولها المسار الدبلوماسي لا يعني القبول بإملاءات أو شروط مسبقة.
وأعادت التأكيد على أن التخصيب داخل الأراضي الإيرانية حق سيادي غير قابل للنقاش، مع إبداء استعدادها لاتخاذ خطوات “بناء ثقة” مشروطة بتخفيف العقوبات وضمانات واضحة بعدم تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من أي اتفاق مستقبلي.
عراقجي: لن نتخلى عن تخصيب اليورانيوم والحشد الأمريكي لا يخيفنا
وقال الخبير في الشؤون الأمنية سيف رعد لـ”إرم نيوز” إن “التحشيدات العسكرية الأمريكية لا تزال مستمرة وبوتيرة واضحة، حيث يجري نقل طائرات الدعم اللوجستي من نوع C-130 وC-17 بشكل شبه يومي، مع تسجيل طيران ليلي خلال الأيام الماضية لنقل معدات عسكرية إلى المنطقة”.
وأضاف أن “التحركات لم تقتصر على محور واحد، إذ جرى نقل قوات خاصة أمريكية إلى أذربيجان، ثم إلى تركمانستان وأرمينيا، بالتزامن مع وصول تعزيزات عسكرية إلى العراق، ما يعني أننا أمام انتشار على أربع جبهات مختلفة، باستثناء الجبهة الخامسة المتمثلة بمياه الخليج”.
وأوضح رعد، أن “التزامن بين نقل القوات الخاصة الأمريكية، بما فيها المارينز وقوات دلتا، وبين نشر طائرات التزويد بالوقود الخاصة بالمروحيات، يفتح الباب أمام سيناريوهات تتجاوز الاستعراض العسكري، ويطرح تساؤلات حول احتمال التحضير لعمليات إنزال أو تحركات خاصة داخل الساحة الإيرانية”.
ويشير الخبير الاستراتيجي إلى أن “التوقيت يلعب دورًا محوريًا في الحسابات الأمريكية، إذ تدرك واشنطن حساسية أي عمل عسكري خلال شهر رمضان، لأن ذلك سيحول طبيعة الصراع من ملف سياسي–نووي إلى صراع ينسحب نحو صبغة ذات طابع ديني”.
بعد الجولة الأولى.. إلى أين يتجه المسار؟
وفق تقديرات متداولة، فإن ما بعد الجولة الأولى من مفاوضات مسقط لا يشير إلى تهدئة وشيكة، بل إلى مرحلة اختبار طويلة، تستخدم فيها واشنطن أدوات الضغط لرفع كلفة المماطلة على طهران، فيما تراهن إيران على الوقت وعلى شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية لمنع تحول التهديد إلى مواجهة شاملة.
من جهته، يرى الدبلوماسي العراقي السابق غازي فيصل أن ما يجري حتى الآن لا يمكن اعتباره مفاوضات مكتملة، بل يندرج في إطار تبادل الآراء واختبار النيات بين الطرفين.
وأضاف لـ”إرم نيوز” أن “الولايات المتحدة تحاول من خلال هذه الجولة معرفة ما إذا كانت إيران مستعدة فعليًا لتغيير سلوكها، إلا أن المؤشرات المتوفرة حتى الآن، بما فيها الخطاب الإيراني الأخير من وزير الخارجية، يوحي بأن طهران لا تزال متمسكة باستراتيجية التصعيد والمواجهة، وليس خيار التسوية”.
وحول احتمالات التصعيد العسكري في المرحلة المقبلة، أوضح فيصل أن “هذا الاحتمال يبقى قائمًا، لكنه ليس حتميًا”، مشيرًا إلى أن “أي مواجهة عسكرية ستكون كارثية على جميع الأطراف، وعلى إيران أولًا”.
مفاوضات مسقط والتصعيد العسكري… رسائل أمريكية إلى إيران .








