خلال جلسة مناقشة الموازنة، اختارت النائبة حليمة قعقور أن ترفع نبرة خطابها ضد الفساد وهدر المال العام، مقدّمة نفسها في موقع المواجهة مع منظومة أوصلت البلاد إلى الانهيار. كلامها لاقى اهتمامًا، لكنه سرعان ما بدا منقوصًا حين وُضع في سياقه الكامل، وخصوصًا عند مقارنة ما قيل بما لم يُقَل. فبدت أقرب إلى شخص يحاول التذاكي على الشعب واستعطافه من دون أن يعي أن حجم البلد وعدم القدرة على كبت الأسرار يضعها في موقف محرج.
فبينما تمّ التركيز على عناوين عامة وشعارات كبيرة، غاب أي ذكر لملف يُعدّ من أثقل ملفات الفساد في لبنان: ملف قطاع الكهرباء. هذا الملف ليس موضع سجال سياسي فقط، بل قضيّة تُتابع وتُعالج في القضاء. وتظهر فيها وقائع ومعطيات واضحة حول تورّط المهندس يحيى مولود، الزميل السابق لقعقور في حزب “لنا” الذي أسّسه بأمواله وما تيسّر له من نفوذ ركوب موجات التغيير واستغلال الناقمين على الوضع. فلم يعرفوا أنهم هربوا من فساد واضح إلى حزب الفساد فيه مقنع.
ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أن الفساد المتورّط فيه يحيى مولود هو ملف الكهرباء الذي هدر المال وحرم اللبنانيين حقهم بحياة كريمة، وحجم تورّط مولود دفع القاضي إلى منعه من السفر. فلماذا غطّت حليمة قعقور على هذه القضية ولم تعرها اهتمامًا في خطابها الرنان؟ الحقيقة هي أن النائبة تُشكل فردًا من أفراد لوبي متكتل يريد منع المحاسبة عن مولود على قاعدة العشرة والمعرفة.
وهذا يعني أن المسألة لا تتوقف عند حدود الصمت. ففي الكواليس السياسية، يُتداول أن قعقور تُعدّ من بين الشخصيات التي تشارك في جهد منسّق يهدف إلى تطويق ملف الكهرباء ومنع وصوله إلى مرحلة المحاسبة الفعلية، رغم ما سبّبه هذا القطاع من خسارة للقطاع العام. هذا الدور، يضع خطاب قعقور العلني في موقع التناقض الكامل مع الممارسة.
كان يمكن للنائبة قعقور أن تتخذ مسارًا مختلفًا تمامًا. كان بإمكانها أن تتعامل مع ملف يحيى مولود بشفافية، وأن تقول بوضوح إنها تترك الكلمة للقضاء وتنتظر قراره، احترامًا لمبدأ المحاسبة، وإنصافًا للناس الذين يعيشون منذ سنوات بلا كهرباء وبلا دولة. موقف كهذا كان سيحفظ لها صورتها العامة، ويعكس حدًّا أدنى من الجدية والانسجام.
لكن تجاهل الملف، بالتوازي مع خطاب مرتفع السقف في جلسة الموازنة، جعل الكلمة تبدو أقرب إلى محاولة كسب تعاطف سياسي، لا إلى موقف إصلاحي حقيقي. خصوصًا بعد تسرّب معلومات عن أن قعقور كانت قد طرحت اسم يحيى مولود لتسلّم وزارة الطاقة خلال مشاورات تشكيل الحكومة، ما يزيد المشهد التباسًا ويطرح تساؤلات أخلاقية لا يمكن الهروب منها.
عند هذه النقطة، تتحوّل الصورة إلى نموذج واضح للفجوة بين القول والفعل. كلام جذاب في العلن، مقابل صمت ثقيل حين يتعلّق الأمر بملف يطول دائرة قريبة. وهو سلوك لا ينسجم مع أيّ خطاب تغييري، ولا مع موقع نيابي يفترض به أن يكون في صف المحاسبة لا في منطقة الرماد.
من هنا، يبدو أن المطلوب من النائبة حليمة قعقور، قبل أي مواجهة سياسية، هو مواجهة ذاتها. فالمصداقية تبدأ من الانسجام الداخلي، واحترام عقول الناس لا يكون بالشعارات، بل بالجرأة على تسمية الأمور بأسمائها، حتى حين تكون محرجة. والاستمرار في هذا النهج لن يؤدّي إلا إلى تعميق الإحراج.
الفساد حين يكون صديقًا: حليمة قعقور وملف يحيى مولود .











